طهران- لم يكن المشهد اعتياديا، على غرار العامين الأولين من حقبته، جلس الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على مقعد دون منصة ودون مكتب، لا يفصله عن الكاميرا سوى الأعلام الوطنية على جانبيه، ليبدأ حديثه بمونتاج سينمائي يروي قصة تقلده الرئاسة: تقبيل القرآن الكريم ثم الترشح للرئاسيات الماضية فالاحتفال الشعبي بفوزه وصولا إلى أدائه القسم الدستوري تحت قبة البرلمان.
ثم تأتي اللحظة الحاسمة: لا مذيع في الصورة، فقط صوت خافت يصدر من خلف الكاميرا داخل القصر الرئاسي، يطرح الأسئلة وكأنها صدى لأفكار الرئيس نفسه يوجّه خلالها بزشكيان في الذكرى الثانية لتوليه الرئاسة، رسالة تتجاوز مجرد تقرير سنوي إلى إعلان وجود سياسي بامتياز، وكأنه يقول "أنا موجود في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية"، على حد تعبير مراقبين في طهران.
جاءت المقابلة التي بُثت حتى الآن على جزأين على أن تستكمل بجزأين آخرين، في توقيت استثنائي أعقب حرب رمضان وتوقيع بزشكيان "مذكرة التفاهم الإطارية" مع الولايات المتحدة. واستهل الرئيس الإيراني حديثه بالمثل الفارسي الشهير "آنچه كه عیان است، چه حاجت به بيان است" أي إن "ما هو واضح لا يحتاج إلى بيان"، في إشارة حملت دلالة على رؤيته لمرحلة رئاسته؛ مرحلة رسم لها صورة قاتمة، ولا سيما خلال عامين من الحكم واجه خلالهما أزمات متلاحقة.
اختار بزشكيان أن يستهل المقابلة باستعادة الظروف التي أوصلته إلى سدة الرئاسة في الانتخابات الماضية، قبل أن ينتقل إلى اغتيال الرئيس السابق للمكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية، بعد ساعات من مشاركته في مراسم تنصيب الرئيس الجديد بالعاصمة طهران. ثم تطرق إلى الأزمات التي ورثها عن سلفه الراحل إبراهيم رئيسي، من عجز في قطاعي الطاقة والغاز، إلى أزمة الجفاف وملفات أخرى أثقلت كاهل حكومته منذ بداياتها.
بيد أن أصعب اختبار واجهه بزشكيان منذ توليه الحكم بدأ مع تفعيل آلية "سناب باك" وعودة العقوبات الدولية على بلاده، وهو ما مهّد لاندلاع حربي الـ12 يوما ورمضان، اللتين انتهتا باغتيال المرشد الأعلى السابق علي خامنئي إلى جانب عدد من أبرز القيادات العسكرية والسياسية والأمنية في إيران.
وفي روايته للأحداث، جمع بزشكيان بين الإقرار بحجم الخسائر والمأساة، وبين تقديم سردية تقوم على "الصمود". فتحدث عن "انهيار" ثقته بالخطاب الغربي حول حقوق الإنسان، بعد استهداف الولايات المتحدة وإسرائيل للمدنيين الإيرانيين، وعن ذلك الشعور العميق الذي "ينفجر في الحلق ولا يمكن وصفه" عند تلقي نبأ "استشهاد القادة والأطفال".
💬 التعليقات (0)