في ظل انشغال العالم بملفات جيوسياسية كبرى، تتشكل في فلسطين وقائع جديدة على الأرض تتجاوز توصيف “اعتداءات المستوطنين” لتدخل في إطار مشروع استراتيجي متكامل لإعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا. ما يجري في ريف الضفة الغربية لم يعد سلوكًا فوضويًا، بل بات تعبيرًا عمليًا عن انتقال “عقيدة الحسم” من دوائر التنظير السياسي إلى التنفيذ الميداني المنظم.
مأسسة العنف: حين يصبح المستوطن ذراعًا للدولة
لم يعد المشهد يقتصر على مجموعات من “فتية التلال”، بل تشير المعطيات إلى تشكّل بنية تنسيقية مشتركة تضم ضباطًا من الجيش، وأجهزة الأمن، والإدارة المدنية، إلى جانب قيادات المستوطنين. هذا التحول ينقل العنف من حيز المبادرات الفردية إلى عمل منظم مغطى مؤسسيًا.
لم يعد ما يجري مجرد تواطؤ أو تقاطع مصالح عابر، بل يمكن وصفه اليوم بأنه بنية تنسيق متكاملة تجمع بين مؤسسات الدولة المختلفة—الجيش، والإدارة المدنية، وجهاز الشاباك، ومنظومة القضاء، والغطاء التشريعي في الكنيست—إلى جانب قيادات المستوطنين. هذه البنية تعمل بما يشبه غرفة عمليات غير معلنة، تتقاطع فيها الأدوار الأمنية والقانونية والسياسية، بحيث يُعاد توزيع الوظائف بين هذه الأطراف لتحقيق هدف موحد. في هذا السياق، لا يقتصر المشروع على فرض السيطرة على الأرض، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة تشكيل الوجود الفلسطيني ذاته، عبر سياسات ممنهجة تدفع السكان قسرًا نحو مراكز المدن، وتُفرغ الريف من حامليه الطبيعيين. إنها عملية هندسة مزدوجة: السيطرة على المكان، وفي الوقت ذاته طرد الإنسان منه بوسائل مركبة تجمع بين العنف المباشر والإخضاع البنيوي.
لقد طرأ تغيير جوهري على العقيدة الأمنية: لم يعد دور الجيش مقتصرًا على “الحماية”، بل بات في كثير من الحالات يوفر الإسناد الناري واللوجستي، أو يشارك بشكل غير مباشر في الهجمات. وفي ظل شرعنة سياسية صريحة من أطراف حكومية تتبنى فكرة “حسم الصراع”، يتحول المستوطن إلى أداة تنفيذية غير رسمية ضمن منظومة السيطرة.
هندسة الجغرافيا: تفريغ الريف وبناء الكانتونات
💬 التعليقات (0)