قال الزعيم والمناضل العالمي الراحل نيلسون مانديلا: "الفقر ليس صدفة، ومثله مثل العبودية والفصل العنصري هو من صنع الإنسان، ويمكن القضاء عليه بأفعال البشر"، ولم تكن هذه الكلمات مجرد تعبير أخلاقي عن التعاطف مع الفقراء، بل إعلاناً عن حقيقة تاريخية أثبتتها تجارب الشعوب التي امتلكت الإرادة السياسية والرؤية الاستراتيجية، وحوّلت التنمية إلى مشروع تحرري يضع الإنسان في قلب السياسات العامة.
وتبرز التجربة الصينية بوصفها إحدى أبرز التجارب التنموية في العصر الحديث، ليس فقط لأنها حققت معدلات نمو اقتصادي استثنائية، وإنما لأنها نجحت في تحويل هذا النمو إلى تنمية شاملة انعكست مباشرة على حياة المواطنين، فانتشلت مئات الملايين من براثن الفقر، وأرست نموذجاً يربط بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، وبين قوة الدولة وكرامة الإنسان.
لقد أدركت الصين، بقيادة الحزب الشيوعي الصيني، أن التنمية لا تقاس بحجم الناتج المحلي الإجمالي وحده، بل بقدرتها على تحسين حياة الناس، وتقليص الفجوات الاجتماعية، وتوفير فرص العمل، وضمان التعليم والرعاية الصحية والسكن اللائق، وتحقيق تنمية متوازنة بين المدن والأرياف، ومن هذا المنطلق، تحولت مكافحة الفقر إلى مشروع وطني شامل، شاركت في تنفيذه مؤسسات الدولة والحزب والسلطات المحلية والجامعات والقطاع الخاص، وفق أهداف واضحة وآليات دقيقة للمتابعة والتقييم.
ولم يكن هذا الإنجاز ثمرة طفرة اقتصادية عابرة، بل نتيجة تخطيط طويل الأمد، واستثمار متواصل في الإنسان، وإصلاحات اقتصادية متدرجة، وسياسات اجتماعية متكاملة، وإدارة كفؤة للموارد، ربطت التنمية بالإنتاج والعمل، لا بالاستهلاك أو الإعانات وحدها.
كما تعاملت الصين مع الفقر باعتباره عائقاً أمام نهضة الأمة وتهديداً للاستقرار، فلم تقتصر جهودها على تقديم المساعدات، بل ركزت على إزالة الأسباب البنيوية للفقر عبر تطوير البنية التحتية، وتحديث الزراعة، وتشجيع الصناعات المحلية، وتحسين التعليم والخدمات الصحية، وتمكين المجتمعات الريفية من امتلاك مقومات التنمية المستدامة.
وكان من أهم عناصر النجاح اعتماد سياسة "القضاء المستهدف على الفقر"، التي قامت على دراسة أوضاع كل منطقة وكل أسرة، وتصميم برامج تنموية تلائم احتياجاتها الفعلية، وهو ما رفع كفاءة الإنفاق العام، وعزز عدالة توزيع الموارد، وحقق نتائج ملموسة خلال فترة زمنية قياسية.
💬 التعليقات (0)