أمد/ لا تكتب لمن يقرأون،بل اكتب لأولئك الذين لا تُقرأ حياتهم في الصحف.اكتب للأنقياء الذين يشبهون المطر قبل أن يُدنسه الأسفلت،قبل أن يتحول إلى وحل في مزاريب المدينة.اكتب لمن لا يعرفون إن "كانت "صحيفة الشرق الأوسط" تصدر في لندن أم في إنجامينا" لأن العالم عندهم لا يتسع لأكثر من حدود القرية،واسم الحقل،ولون التراب عند الفجر.!
اكتب لمن يولدون ويموتون في المكان نفسه،دون أن يخونوا أصدقاءهم،أو يبيعوا كرامتهم في سوق النخاسة،أو يتعلموا كيف يعزفون للغيم أنشودة الرحيل..أولئك الذين ظلوا أوفياء لطريقة صمتهم أمام التحقيق،كما كانوا شامخين داخل أقبية التعذيب وزنزنات أمن الدولة..
اكتب للعامل الذي يتاجرون بالعرق المتصبب على جبينه النحاسي،ويرسمون على ساعده خريطة جوع لا تنتهي.اكتب للأم الثكلى التي استقر جسد إبنها في عمق اللجة أثناء عبوره الأبيض المتوسط على قارب الموت..وظلت تذرف دموعها على وسادة ليل موغل في الدياجير..اكتب للقادمين في موكب الآتي الجليل..
اكتب للفلاح الذي يبارك المطر كأنه نبي نازل من السماء،وينتشي بالبرق كأنه عاشق يراه أول مرة، ويطرب للرعد كأنه موسيقا لا يعرف لها اسما.
اكتب لأمثالي،من أولئك الذين أسقطتهم القافلة سهوا عنهم،فجلسوا واجمين أمام الغروب العظيم.. لأنه لا شيء يضيء وجوههم في خريف العمر..
اكتب لأولئك الذين يقضون أعمارهم على الأرصفة المتنقلة إلى المجهول،تتلاشى أحلامهم في ازدحام الصباح،ولم يقابلوا في حياتهم الطويلة أحدا غير ظلالهم التي تمتد أمامهم من الجغرافيا إلى ارتعاشات القلب كرف جناح..كشهود صامتين على عمر يسرج غيمته للرحيل.
💬 التعليقات (0)