f 𝕏 W
من يحتوي المعالج؟
شهادة من داخل الطب النفسي الفلسطيني في زمن الإبادة

جريدة القدس

سياسة منذ 10 أيام 👁 0 ⏱ 6 د قراءة
زيارة المصدر ←

من يحتوي المعالج؟ شهادة من داخل الطب النفسي الفلسطيني في زمن الإبادة

🤖
ملخص ذكي بالذكاء الاصطناعي
مُلخَّص تلقائياً من الخبر الأصلي
تتناول شهادة من داخل الطب النفسي الفلسطيني التحديات غير المسبوقة التي يواجهها المعالجون النفسيون في ظل الظروف السياسية والأمنية الراهنة، والتي تتسم بالعنف المستمر والصدمات الجماعية. وتشير إلى أن مفهوم 'الصدمة الثانوية' لا يكفي لوصف تجربة المعالج الذي يعيش نفس الظروف المؤلمة التي يعاني منها مرضاه، مما يستدعي مفاهيم جديدة مثل 'الواقع الاستعماري المشترك'. وتؤكد على ضرورة الاعتراف الجماعي بتأثير هذه الظروف على المعالجين، وتطوير آليات دعم جماعية ومهنية، وتكييف المقاربات النفسية لتناسب واقع المجتمعات التي تعيش عنفًا مستمرًا.
📌 أبرز النقاط

الخميس 06 أغسطس 2026 9:57 صباحًا - بتوقيت القدس

بقلم: استشارية الطب النفسي د. سماح جبرفي الأسبوعين الماضيين، لم أستطع الوصول إلى عيادتي في نابلس بسبب اعتداءات المستوطنين وإغلاق الطرق. وبعد أيام، لم أستطع الوصول إلى عيادتي في الرام بسبب العملية العسكرية في مخيم قلنديا. اضطررت إلى إلغاء مواعيدي والاتصال بمرضاي لأشرح لهم أن غيابي لم يكن قرارًا مهنيًا أو شخصيًا، بل نتيجة واقع سياسي يتدخل في كافة تفاصيل الحياة ومن ضمنها العلاج النفسي.بعد أن أغلقت الهاتف مع آخر مريض، وجدت نفسي أمام سؤال مزعج: ماذا يحدث للطبيب النفسي عندما يعيش نفس الظروف التي أنتجت ألم مرضاه؟طوال سنوات عملي في الطب النفسي، كان جزء أساسي من مهمتي هو توفير مساحة يستطيع فيها الإنسان أن يعبر عن ألمه، وأن يحوله من تجربة ساحقة إلى تجربة يمكن التفكير فيها. لم تكن مهمتنا إزالة المعاناة، فهذا ليس ممكنًا دائمًا، بل مرافقة الإنسان في محاولته لاستعادة بعض المعنى والقدرة على الاستمرار.لكن ما نعيشه اليوم يفرض أسئلة جديدة على مهنتنا. ماذا يحدث عندما لا تكون الصدمة حدثًا انتهى، بل واقعًا مستمرًا؟ ماذا يحدث عندما يأتي المريض إلى العيادة اثناء الكارثه، يحمل جراحها النازفه بدلا من ذكريات أحداثها التي انقضت؟منذ الإبادة في غزة، أصبحت عياداتنا تستقبل مجتمعًا يعيش ألما يصعب احتواؤه. يأتي المرضى حاملين فقدان الأحبة، والخوف على العائلة، وتجارب النزوح، والجوع، والتهديد، وانهيار الإحساس بالأمان، بينما يعرفون أن الخطر لم ينتهِ. وفي الضفة الغربية أيضًا، أصبحت الاقتحامات، والحواجز، وعنف المستوطنين، والاعتقالات، وإغلاق الطرق، جزءًا من الواقع اليومي الذي نعيشه جميعًا.وفي وسط هذا كله يقف الطبيب النفسي حائرا. فنحن لم نتدرب لنعالج هذا النوع من الألم النفسي في ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من الامان.كثيرًا ما نصف تأثير العمل مع المعاناة الشديدة بمصطلحات مثل "الصدمة الثانوية" أو "الإجهاد الناتج عن التعاطف". وهذه المفاهيم مهمة في فهم ما يحدث للمعالجين الذين يتعرضون باستمرار لروايات الألم. لكنها لا تكفي لوصف تجربتنا في فلسطين.فالصدمة الثانوية تفترض وجود مسافة بين الحدث ومن يشاهده، بين من يتعرض للأذى ومن يستمع إليه. أما نحن، فليست علاقتنا بالألم علاقة مشاهدة فقط. نحن لا نستقبل روايات العنف من خارجها؛ نحن نعيش داخل السياق نفسه الذي ينتج هذا العنف والذي لا يستثنينا عن بقيه المجتمع الفلسطيني.لذلك ربما نحتاج إلى مفهوم آخر يساعدنا على التفكير في هذه التجربة: الواقع الاستعماري المشترك (shared colonized reality).المقصود بهذا المفهوم أن المعالج والمريض لا يجمعهما فقط التعاطف مع الألم، بل يواجهان الاستهداف نفسه والبنية التي تنتج ذات الألم. كلاهما يعيش القيود نفسها على الحركة، وعدم اليقين نفسه، والخوف نفسه على الأحبة، والتعرض نفسه لواقع سياسي يقتحم الحياة اليومية. الطبيب لا يقف خارج الجرح ليعالجه؛ بل يحاول أن يمارس العلاج وهو ينزف أيضا ويتكلف عناء اخفاء جرحه أثناء عمله.وهذا يغير طبيعة العلاقة العلاجية نفسها. فالمعالج هنا ليس مجرد شاهد على معاناة الآخر، وليس فقط حاملًا لمشاعر المريض. إنه أيضًا إنسان يعيش تبعات التجربة التاريخية الصادمة ذاتها.في هذه الظروف، يصبح مفهوم الاحتواء نفسه أمام امتحان غير مسبوق. لقد تعلمنا أن وظيفة المعالج هي أن يستقبل الألم الذي يعجز المريض عن حمله، وأن يساعده على تحويل الرعب إلى كلمات، والفوضى إلى معنى. لكن ما نراه اليوم في غزة وفي الضفة الغربية يتجاوز أحيانًا قدرة المعالج على الاحتواء.ليس لأن المعالج فقد مهارته، وليس لأن الإنسان أصبح أضعف، بل لأن حجم المعاناة، واستمرارها، واتساعها، وطبيعتها الجمعية، تتجاوز الحدود التي صُممت من أجلها أدواتنا النفسية التقليدية.هناك لحظات يصبح فيها المطلوب من المعالج ليس فقط أن يحتوي ألم الآخرين، بل أن يعترف بحدود قدرته البشرية على الاحتواء. وربما يكون الاعتراف بهذه الحدود جزءًا من الأمانة المهنية، لأن إنكارها قد يحول المعالج من إنسان حاضر إلى أداة تعمل حتى الانهيار.السؤال الذي يجب ان نشتغل على اجابته هو: كيف نحافظ على أنفسنا عندما يتربص بنا الألم والتهديد من كل جانب؟إذا كان ما نواجهه يتجاوز مفهوم الصدمة الثانوية والاحتراق الوظيفي، وإذا كنا نعيش واقعًا استعماريًا مشتركًا مع مرضانا، فإن الاستجابة لا يمكن أن تكون فردية فقط. لا يمكن أن نطلب من المعالج أن يحمل عبء مجتمع كامل ثم نختزل الحل في نصائح عن الراحة أو التكيف الشخصي.نحن بحاجة أولًا إلى الاعتراف الجماعي بأن المعالج نفسه يتأثر. هذا الاعتراف ليس ضعفًا مهنيًا، بل شرط للحفاظ على المهنة. يجب أن توجد مساحات يستطيع فيها العاملون في الصحة النفسية أن يتحدثوا عن تجاربهم، وأن يعالجوا ما يحملونه، لا بوصفهم مرضى، بل بوصفهم بشرًا يؤدون عملًا استثنائيًا في ظروف استثنائية.ونحتاج أيضًا إلى الانتقال من نموذج المعالج الفردي الذي يحمل المعاناة وحده إلى نموذج الاحتواء الجماعي. ففي زمن الكارثة، لا يمكن أن تكون الحاوية شخصًا واحدًا. يحتاج المعالج إلى شبكة: زملاء، وإشراف، وتضامن مهني، ومساحات للتفكير المشترك.كما نحتاج إلى تطوير لغة ومقاربات نفسية تنطلق من واقع المجتمعات التي تعيش عنفًا مستمرًا. فبعض الصدمات لا تأتي من حدث انتهى، بل من واقع مستمر يعيد إنتاج الخوف والفقد. وهذا يتطلب مقاربات ترى الإنسان داخل تاريخه ومجتمعه وسياقه السياسي، وليس فقط داخل قائمة من الأعراض.ورغم كل ذلك، علينا أن نحافظ على معنى العلاج. ففي سياق يحاول تدمير الإحساس بالكرامة والإنسانية، تصبح المحافظة على التفكير، وعلى العلاقة الإنسانية، وعلى القدرة على الإصغاء، فعلًا مهمًا بحد ذاته.هذه دعوة للاعتراف بحقيقة مهنية وتاريخية: هناك جيل كامل من العاملين في الصحة النفسية عاش تجربة غير مسبوقة، حيث أصبح مطلوبًا منه أن يعالج آثار عنف مستمر بينما يعيش هو أيضًا داخل ظروف هذا العنف.إن ما حدث في غزة، وما يحدث في الضفة الغربية والقدس، لا يختبر فقط قدرة الأفراد على التحمل، بل يختبر أيضًا مفاهيم الطب النفسي نفسها: معنى الصدمة، معنى الاحتواء، معنى الحياد، ومعنى العلاج في سياق يفيض بالتهديد والألم.علينا أن نوثق هذه التجربة، وان كنا لا نمتلك كل الاجابات، لأننا شهود على لحظة تاريخية تعيد تشكيل فهمنا لما يعني أن تكون معالجًا نفسيًا في زمن العنف الجماعي.فالطب النفسي لا يُكتب فقط في الكتب والنظريات. إنه يُكتب أيضًا في غرف العلاج الصغيرة، وفي الطرق المغلقة، وفي المكالمات الهاتفية التي نعتذر فيها للمرضى لأننا لم نستطع الوصول إليهم، وفي المحاولات اليومية للحفاظ على إنسانيتنا عندما تُختبر هذه الإنسانية إلى أقصى حدودها.ربما لا نستطيع أن نحتوي كل الألم الذي يحيط بنا، لكن يمكننا أن نرفض أن يبقى هذا الألم بلا شاهد. ويمكننا أن نبني معًا حاويات جديدة: جماعية، مهنية، وإنسانية، تساعدنا على الاستمرار في حماية ما يحاول العنف تدميره قبل كل شيء: قدرة الإنسان على التفكير، والشعور، ورؤية الآخر كإنسان.

من يحتوي المعالج؟ شهادة من داخل الطب النفسي الفلسطيني في زمن الإبادة

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

📰
المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

💬 التعليقات (0)