الرائحة المنتشرة هذه الأيام هي الرائحة الكريهة تلك المنبعثة من الخلافات الفلسطينية الداخلية ورغم عمقها وقِدَمها فإنها وفي ظل استمرار العدوان الصهيوني المثابر! ومع أول انتخابات وطنية بعد العام 2006 م وما تلاها من انقلاب أسود على غزة عام 2007 بدأت تتخذ أصنافًا متعددة وأشكالًا تعبر عن سوء فهم إدارة الاختلاف وفن الحوار وممارسة الديمقراطية (أو الشوروية) ليس كصندوق وإنما كثقافة تبدأ من البيت فالمدرسة والجامعة والتنظيم والدولة في إطار الالتزام والاحترام الواجب.
خلافات داخل المجتمع وخلافات بين الفصائل وخلافات بين العشائر وخلافات بين أصحاب المصالح وخلافات بين الحكومة ومطالب الناس وخلافات الآراء وتعددها وخلافات داخل الفصيل الواحد حتى لا تجد فصيلًا أو منظمة بمنأى عن الخلافات لاسيما على وقع هدير الانتخابات التي تجرى بوقت عصيب وضمن انحشار سياسي لم يسبق له مثيل واستعصاء فصائلي وتجاذبات مقلقة.
دعني أقصر الحديث هنا عن حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" التي تتعرض بمن فيها من عظماء التاريخ وذوي الأيادي البيضاء الكُثُر، وأولئك الأراذل وذوي الأيادي السوداء الى هجمة واحدة موحدة على حد سواء لا تترك أحدًا إلا وتشوّهه ولا تترك نظيفًا إلا وتلطّخه بالسواد كراهية بالحركة من جهة وبالوطنية الفلسطينية من جهة أخرى وحسدًا على قدرة هذه الحركة بالديمومة رغم خلافاتها منذ النشأة (عام 1957م) حتى اليوم.
إن الخلاف والاختلاف وضع طبيعي وسنّة الدنيا منذ الخليقة ولذلك كان القول الحق (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) (الشمس 7-8) ولذلك كان (قدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) (الشمس 9-10). ولذلك كان ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ، إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (هود 118-119). جدل الاختلاف في فتح
ورغم الفروقات التي قد يثيرها البعض بين مصطلح الخلاف والاختلاف، فإننا نرى في ظل الطبيعة الانسانية والفكرة الشوروية (الديمقراطية) ومبدأ الحوار والالتزام أن إدارة الاختلافات بمنطق معالجتها، يعني الإقرار بوجودها وعدم التذمر من ذلك بل الاعتراف بها وليس تجاهلها. فاختلاف الطبائع والأفكار مدخل للاختلاف واضح، كما الحال مع المبادئ مقابل المصالح، والنظرية مقابل التطبيق والعقل الواعي مقابل العقل الجاهل أو العاقل مقابل الأحمق. وفي ظل وجود العقل النقدي المسموم مقابل ذلك النقدي البنائي والابداعي، والى ما قد يتبدى من نفسيّات تستقبل وتحتضن وتتفهّم مقابل تلك المريضة التي تقطب الجبين وتُبعد وتنفي ما نجده عند أصحاب الأفكار العقيمة عن الفهم لاختلاف الآخر وذات الفكر الاقصائي الاستبعادي سواء بغلاف ديني (من أي دين) أو قومي عنصري أو ثقافي عنصري، أومصلحي رأسمالي يهين الطبقات.
داخل حركة التحرير الوطني الفلسطيني-فتح هذه الأيام أينما تجلس أو حتى تقف مُطلًا من البعيد تجد حلقات مسمومة صغيرة نعم ولكنها تكبُر شيئًا فشيئًا بفضل مجموعات (واتساب) وبفضل الخوارزميات، وبفضل شخصيات "الرباعي المظلم" التي سبق وكتبنا عنها حسب مصطلح العالم الكندي البرفسور"ديلروي بولهوس.
💬 التعليقات (0)