كان تمّوز، قبل أن تشتعل السماء بالنار، موعداً آخر للحياة في غزة . لم يكن شهراً عابراً في التقويم، بل فصلاً من الفرح الشعبي، وموسماً تتهيأ له الأرض كما تتهيأ الأم لاستقبال طفلها. كانت الشمس تنضج الثمار برفق، وتوقظ في الحقول رائحة العنب والتين، فيما تمتد كروم المغراقة والشيخ عجلين كأنها بساط أخضر ينساب حتى يلامس البحر.
في تلك الأيام، لم يكن افتتاح موسم العنب مجرد مناسبة زراعية رسمية، بل احتفالاً بالحياة نفسها. في مزرعة المهندس الزراعي الراحل علي الوحيدي في وسط فطاع غزة، كانت العناقيد تتدلى كقلائد من الضوء، ويجتمع الناس حولها بقلوب امتلأت بالامتنان للأرض التي تمنح، رغم قلة الماء وقسوة الرمل. كان الأطفال يركضون بين الدوالي، وتتعالى الضحكات، بينما يتبادل المزارعون خبراتهم وحكاياتهم، وكأن الموسم عيدٌ سنوي تُجدد فيه غزة عهدها مع خصوبتها.
هو عنبٌ يعرف الشمس كما يعرفها البحر، وتعرفه الرمال كما تعرف أسماء أبنائها. إذا داعبت أشعة الصباح حباته، بدا كأن الضوء يسكنها من الداخل، وإذا قُطفت عناقيده في تموز، سال منها شهدٌ يختزن ملوحة البحر، وندى الفجر، وعرق المزارعين الذين ظلوا يحرسون كرومهم عاماً بعد عام. لكل حبة حكاية، ولكل دالية ذاكرة، تمتد جذورها في الأرض كما تمتد في وجدان الناس.
ولم يكن العنب وحده سيد الصيف، فقد كان التين أيضاً يعلن اكتمال الموسم. تين غزة، بألوانه البنفسجية والخضراء، كان ثمرة البيوت والحقول معاً، تُقطف في الصباح الباكر، وتُقدَّم للضيوف مع عناقيد العنب، في مشهد يختصر كرم الأرض وأهلها. كان تموز يحمل في سلته مذاق الفاكهة، وظلال الأشجار، وأصوات العصافير، ورائحة التراب بعد ريّ المساء، حتى بدا الصيف كله قصيدة تكتبها الطبيعة على صفحات غزة.
وكانت الرمال هناك تعرف سر المعجزة، كيف يتحول الرمل إلى خصب، وكيف تهزم الدالية القحط، فتمنح المدينة عنباً يليق باسمها. لذلك أصبح عنب غزة علامةً يعرفها أهلها، وينتظرون نضجه كما ينتظرون بشارة الصيف، لا لأنه فاكهة فحسب، بل لأنه جزء من هوية المكان، ودليل على أن الأرض تستطيع أن تنتصر على شح الإمكانات كلما وجدت من يحبها.
ثم جاءت الحرب، وجاء معها الخراب.
💬 التعليقات (0)