لا يمكن فهم فشل الجولة التفاوضية التي انعقدت في إسلام آباد بمعزل عن السياق البنيوي الذي يحكم العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران منذ الثورة الإيرانية، 1979؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بتعثر تقني في التفاوض بل بانسداد هيكلي في إدراك كل طرف لتهديدات الآخر، وما يرتبط بذلك من تباين في تعريف الأمن ذاته.
لقد شكَّلت هذه الجولة، التي وُصفت بأنها الأعلى مستوى منذ أربعة عقود، لحظة اختبار حقيقية لإمكانية الانتقال من إدارة الصراع إلى تسويته غير أنها انتهت إلى إعادة إنتاج منطق الأزمة بدل تفكيكه.
من حيث الشكل، اتسمت المفاوضات بكثافة زمنية واستثنائية في التمثيل السياسي؛ حيث قاد الوفد الأمريكي جي دي فانس، إلى جانب شخصيات نافذة في بنية القرار الأمريكي، في مقابل تمثيل إيراني يعكس ثقل المؤسسة السياسية والأمنية، بمن في ذلك محمد باقر قاليباف وعباس عراقجي. غير أن هذه الكثافة لم تنعكس على مستوى النتائج؛ ما يشير إلى أن المشكلة لم تكن في مستوى التمثيل بل في طبيعة الملفات المطروحة وحدود التنازل الممكن.
يمكن القول: إن هذه الجولة التفاوضية كشفت عن ثلاثة مستويات من الانسداد؛ أولها: الانسداد المفاهيمي.
فواشنطن وطهران تختلفان في تعريف مفهوم "السلام"؛ فبينما تنظر الولايات المتحدة إلى السلام بوصفه حالة من الضبط الكامل للسلوك الإيراني، خصوصًا في المجال النووي والإقليمي، ترى إيران أن السلام ينبغي أن يقوم على الاعتراف بدورها قوة إقليمية ذات سيادة وليست فاعلًا يجب احتواؤه أو تقويضه. هذا التباين يعكس صراعًا بين نموذجين: نموذج الهيمنة الأمنية الأمريكية، ونموذج الاستقلال الإستراتيجي الإيراني.
ثانيها: الانسداد البنيوي المرتبط بانعدام الثقة، وهو نتاج تراكم تاريخي من الاتفاقات المنهارة والتجارب الفاشلة، على رأسها تداعيات الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي لعام 2015 خلال إدارة دونالد ترمب.
💬 التعليقات (0)