حين نشرت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صورة لاجتماع داخل ما يعرف بـ"غرفة العمليات" (Situation Room) في البيت الأبيض، بدا المشهد مألوفا وغريبا في آن واحد. طاولة مستطيلة، وجوه متجهمة تحدق في شاشات مضاءة، وإحساس ثقيل بأن قرارات كبيرة على وشك أن تُتخذ.
غير أن هذا الإحساس لا يأتي من الواقع، بل يتغذى من أرشيف بصري صنعته الدراما الأمريكية على مدار عقود، حتى أصبحت المرجع الأول لفهم هذا المكان. وإذا بدت الصورة مألوفة، فلأن الجمهور اعتاد رؤية هذا الفضاء عبر الشاشة، أما غرابتها فترتبط بالفارق بين ما رسخته الدراما، وما تكشفه اللقطة الحقيقية.
إذ لا تشبه الصورة ما دُرِّب المشاهدون على توقعه، وهو ما انعكس في ردود فعل تراوحت بين الدهشة والتشكيك. ذلك أن "غرفة العمليات" ليست غرفة واحدة كما تقدمها المسلسلات والأفلام السياسية، بل مجمع متكامل داخل البيت الأبيض، تمتد مساحته لنحو 5 آلاف قدم مربعة، ومخصص لإدارة الأزمات وتبادل المعلومات الحساسة وتأمين الاتصالات مع القيادات العسكرية والاستخباراتية حول العالم.
بهذا المعنى، تبدو الصورة الفعلية أقرب إلى مركز عمل شبكي معقد، لا إلى مسرح تُسطَّح فيه لحظة القرار. وهو ما يطرح سؤالا جوهريا: أيهما أقرب إلى الحقيقة؟ الصورة التي صاغتها هوليوود، أم الواقع الذي تُصنع فيه القرارات بعيدا عن الإيقاع الدرامي؟ وبتتبع هذا الفارق، لا تصبح المقارنة ترفا نقديا، إذ لا يقتصر الاختلاف على الشكل، بل يمتد إلى طريقة فهم السلطة نفسها: هل هي لحظة تُحسم بقرار فردي، أم عملية ممتدة من التقدير والتنسيق؟
في الفترة بين 1999 و2006، رسخ مسلسل "الجناح الغربي" (The West Wing) واحدة من أكثر الصور تأثيرا عن البيت الأبيض، حيث قدم السيناريست آرون سوركين نموذجا لما يُفترض أن تكون عليه السلطة الأمريكية: مستشارون أذكياء، نقاشات عقلانية، رئيس أقرب إلى فيلسوف سياسي، وفريق يحمل على عاتقه هموم العالم.
تظهر غرفة العمليات هنا كامتداد طبيعي لحياة الحكم، كما يليق بمكان للنقاش الأخلاقي واتخاذ القرارات في أجواء منضبطة. غير أن هذه السردية، رغم جاذبيتها، تمنح المكان بعدا مثاليا وتبسط بنيته الفعلية، إذ تختار الحوار بديلا عن الفعل.
💬 التعليقات (0)