بعد إعلان المقاومة موافقتها على مبدأ حصر السلاح، واستعدادها للعمل على تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق غزة ضمن ترتيبات تضمن وقف الحرب وانسحاب الاحتلال، كان من المفترض أن تُفتح الطريق أمام الانتقال إلى مرحلة جديدة، تتراجع فيها آلة القتل، ويبدأ تنفيذ الالتزامات السياسية والإنسانية، ويجد سكان القطاع أخيرًا فرصة لالتقاط أنفاسهم بعد سنوات من الدمار والنزوح والجوع.
لكن ما يحدث على الأرض يكشف أن إسرائيل لا تتعامل مع الاتفاق بوصفه طريقًا لإنهاء الحرب، بل بوصفه أداة لفرض شروط جديدة وتوسيع السيطرة الميدانية، فبدل وقف القصف والقتل، تستمر العمليات العسكرية، وبدل الانسحاب والانتقال إلى المرحلة الثانية، يتقدم الاحتلال تدريجيًا، وتتغير حدود ما يُعرف بـ«الخط الأصفر»، لتتحول المنطقة التي يفترض أن تكون خطًا مؤقتًا للفصل إلى حدود متحركة تبتلع مزيدًا من الأرض وتدفع السكان إلى مساحات أصغر وأكثر اكتظاظً، وتشير تقارير ميدانية حديثة إلى أن تمدد مناطق السيطرة الإسرائيلية أدى إلى موجات نزوح متكررة، وأن الاحتلال بات يفرض سيطرة فعلية على جزء واسع من القطاع، مع استمرار الضغط على السكان للانتقال نحو مناطق محدودة.
وهنا يصبح السؤال: إذا كانت المقاومة قد أبدت استعدادًا لمناقشة قضية السلاح ضمن اتفاق شامل، فلماذا لا تتقدم إسرائيل نحو تنفيذ التزاماتها؟ ولماذا لا يتوقف القصف؟ ولماذا يستمر التوسع على الأرض بدل الانسحاب؟ أخبار ذات صلة نتنياهو يصدر أوامر عاجلة لاجتياح قرى الضفة ومصادرة السلاح وحملات اعتقال واسعة رئيس وزراء بلجيكا: أكثر من 15 ألف مبتور أطراف بغزة جلّهم أطفال.. وأين كرامة الإنسان؟
الجواب الذي تفرضه الوقائع هو أن قضية السلاح قد لا تكون الهدف النهائي، بل أحد العناوين التي تُستخدم لإبقاء الحرب مفتوحة وتأجيل الاستحقاقات السياسية، فكلما اقترب الاتفاق من مرحلة تتطلب انسحابًا إسرائيليًا، تظهر شروط جديدة، وكلما قُدمت مرونة فلسطينية، ارتفع سقف المطالب الإسرائيلية، وهكذا يتحول الاتفاق من إطار متبادل للالتزامات إلى أداة لفرض استسلام تدريجي، بينما يبقى الاحتلال حرًا في مواصلة القتل وتغيير الجغرافيا وخلق وقائع يصعب التراجع عنها.
إن الزحف المتواصل للخط الأصفر لا يبدو مجرد إجراء أمني مؤقت، بل يحمل دلالات سياسية وديمغرافية خطيرة، فمع كل تقدم عسكري تُفقد عائلات جديدة منازلها، وتُدفع أعداد أكبر من الفلسطينيين نحو مناطق ساحلية ضيقة، في مشهد يعيد إنتاج فكرة حشر سكان غزة داخل نطاق محدود، بعد تدمير مدنهم ومخيماتهم وقطع الصلة بينهم وبين أراضيهم.
لم يعد الخطر يقتصر على تهجير الناس من حي إلى حي أو من مدينة إلى أخرى، بل يتمثل في تحويل قطاع غزة إلى مساحة محاصرة ومجزأة، يُدفع سكانها نحو أقصى الغرب، فيما تتوسع السيطرة الإسرائيلية على الأرض في الشرق والشمال والجنوب، وإذا استمر هذا المسار، فقد يصبح البحر آخر حدود الفلسطينيين، ليس لأن غزة انتهت جغرافيًا، بل لأن الاحتلال يعمل على تقليص المجال الذي يستطيع الفلسطيني أن يعيش فيه.
💬 التعليقات (0)