منذ بداية الانقسام الفلسطيني، دخل المشهد الوطني في حالة من الاضطراب السياسي والإداري، ولم يكن المواطن الفلسطيني هو من صنع هذا الواقع، لكنه كان أكثر من دفع ثمنه. ومع مرور السنوات، تعقد المشهد أكثر، حتى جاءت الحرب الأخيرة لتضاعف حجم الإرباك، بعدما تعطلت مؤسسات رسمية كثيرة، وتراجعت قدرتها على أداء دورها الطبيعي في خدمة الناس وتنظيم شؤونهم. وفي ظل هذا الواقع، بات المواطن يعيش حالة من عدم اليقين، لا يدري إلى أي جهة يتوجه، ولا أي مرجعية يعتمد، ولا أي قانون يحكم تفاصيل حياته اليومية.
إن وجود المؤسسات الرسمية ليس ترفًا إداريًا، بل هو أساس استقرار المجتمعات. فالدولة تُقاس بقدرتها على بناء مؤسسات قوية، تعمل وفق القانون، وتحفظ الحقوق، وتؤدي الواجبات بعيدًا عن الارتجال وردود الفعل المؤقتة. وعندما تغيب هذه المؤسسات أو يضعف حضورها، تظهر حالة من التيه، وتتعدد المرجعيات، وتختلط المسؤوليات، ويصبح المواطن هو الحلقة الأضعف في مواجهة التعقيدات اليومية.
ومن أبرز صور هذا الإرباك ما يعيشه الفلسطيني في تفاصيل حياته المدنية البسيطة. فالمواطن في غزة أو الضفة الغربية يحتاج إلى جواز سفر، أو بطاقة شخصية، أو شهادة ميلاد، أو أي وثيقة رسمية ترتبط بحياته ومستقبله، لكنه يجد نفسه أحيانًا أمام تعدد في المرجعيات والإجراءات بحكم الواقع القائم، وهو ما ينعكس على حياته اليومية، ويزيد من شعوره بعدم الاستقرار. فهذه الوثائق ليست مجرد أوراق رسمية، وإنما مفاتيح للسفر والتعليم والعمل والعلاج وإثبات الحقوق، ولذلك فإن توحيد مرجعيتها وإجراءاتها يمثل حاجة وطنية وإنسانية قبل أن يكون مطلبًا إداريًا.
لقد أثبتت التجارب أن الشعور بالأمان لا يرتبط فقط بوقف الحروب أو انخفاض مستوى التوتر الأمني، وإنما يرتبط أيضًا بوجود مؤسسة تحكمها الأنظمة والقوانين، يعرف المواطن من خلالها ما له وما عليه. فالوضوح في المرجعية، والثبات في الإجراءات، والعدالة في التطبيق، كلها عناصر تمنح الإنسان طمأنينة يحتاجها كما يحتاج إلى الغذاء والمأوى.
وفي الحالة الفلسطينية، ازداد المشهد تعقيدًا مع كثرة المسميات، وتعدد الجهات، واختلاف آليات العمل، حتى أصبح المواطن في كثير من الأحيان عاجزًا عن فهم طبيعة المسؤوليات أو تحديد الجهة المختصة بقضاياه. وهذا لا يخدم أحدًا، بل يزيد من حالة القلق والتوتر، ويضعف ثقة الناس بالمؤسسات، مهما كانت النوايا حسنة أو الجهود كبيرة.
ولا يُقصد من طرح هذه الإشكاليات التقليل من أي جهد بُذل أو يُبذل على أرض الواقع للتخفيف عن أبناء شعبنا، سواء قبل الحرب أو خلالها، فكل مؤسسة، وكل جهة، وكل فريق عمل، وكل مبادرة ساهمت في تخفيف معاناة الناس وسط هذه الظروف الاستثنائية تستحق الشكر والتقدير. فالعمل الإنساني والإغاثي كان ولا يزال صمام أمان لآلاف الأسر التي أنهكتها الحرب، ولا يمكن إنكار أثره أو التقليل من قيمته.
💬 التعليقات (0)