لم تكن جنازة تشبه الجنازات التي اعتادها الفلسطينيون في غزة، ولم يحمل المشيعون نعوشًا خشبية، ولم تكن الأكفان تضم أجسادًا كاملة. كان المشهد مختلفًا إلى حد يصعب على اللغة وصفه. 112 كيسًا أبيض، يعلو كل واحد منها علم فلسطين، وفي داخل كل كيس بقايا عظام جُمعت قطعةً قطعة، بعد أن بقيت مدفونة تحت الركام لأكثر من عامين. إنها عائلة أبو شريعة. 112 إنسانًا من عائلة واحدة، بينهم 40 طفلًا، قضوا في مجزرة ارتكبتها قوات الاحتلال (الإسرائيلي) في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، وظلت أجسادهم مدفونة تحت أنقاض منازلهم، بعدما حالت الحرب واستمرار القصف دون الوصول إليهم أو انتشالهم. لم يكن الانتشال سهلًا. فبحسب فرق البحث، استمرت عمليات استخراج الرفات من الموقع من 14 يوليو/تموز حتى الأول من أغسطس/آب 2026، وسط نقص المعدات، وبعد سنوات من تعذر الوصول إلى المنطقة. وعندما وصل المنقذون، لم يجدوا أجسادًا كما تركها أصحابها، بل رفاتًا متناثرة اختلطت بالركام، جُمعت عظمةً عظمة، وفُرزت، ثم وُضعت في أكياس بيضاء استعدادًا لدفنها. وقد بقيت رفات أخرى تحت الأنقاض أو تعذر التعرف عليها. داخل كل كيس كانت حكاية انتهت قبل أن تكتمل. طفل لم يتجاوز سنواته الأولى، كان يحلم بحقيبة مدرسية. أم احتضنت أبناءها في اللحظات الأخيرة. أب حاول حماية أسرته. أربعون طفلًا، لكل واحد منهم اسم، وضحكة، ولعبة، ولحظة صرخ فيها خوفًا من الموت، بينما كانت الطائرات تقصف المنزل بلا رحمة. لم تكن الرفات مجرد عظام، بل كانت الدليل الأخير على أن عائلة كاملة مُحيت من السجل المدني، وبقيت معلقة بين السماء والأرض، لا هي حية، ولا هي مدفونة. وبعد أكثر من عامين، جاء الوداع. اصطف المشيعون في جنازة رسمية، ووُضعت 112 راية فلسطينية فوق أكياس الرفات، في محاولة لاستعادة جزء من الكرامة التي سُلبت منهم لحظة القصف. كانت جنازة مؤجلة، لكنها لم تكن أقل وجعًا. ووصف أهالٍ فقدوا ذويهم في ظروف مشابهة هذا النوع من التشييع بأنه "وداع مؤجل"، لأن الألم لا يتوقف عند لحظة الفقد، بل يمتد مع كل يوم يبقى فيه الأحبة تحت الركام، بلا قبر، وبلا وداع، وبلا يقين. كما قالت إحدى قريبات المفقودين في شهادة لها: "أكثر ما يؤلمني ليس الفقد، بل أنني لم أستطع توديعهم أو دفنهم... كأن الحزن ظل معلقًا."
لم يكن المشهد مجرد تشييع لعائلة، بل تشييع لفكرة أن الموتى يُدفنون فور رحيلهم. هنا، احتاجت العظام إلى أكثر من عامين كي تعود إلى أصحابها، واحتاجت الأمهات إلى سنوات ليعرفن أين انتهت أجساد أبنائهن. لقد جمعت فرق الإنقاذ تلك الرفات عظمةً عظمة، وغسلتها، وفرزتها، ووضعتها في أكياس بيضاء، لتعيد لأصحابها حقًا بسيطًا سلبه الاحتلال منهم " أن يُدفنوا كما يُدفن البشر". وفي نهاية الجنازة، لم تكن الأعلام الفلسطينية تغطي أكياسًا بيضاء فحسب، بل كانت تغطي ذاكرة مجزرة بقيت مدفونة تحت الركام أكثر من عامين، وكأنها تقول للعالم إن في غزة لم يفقد الإنسان حياته فقط، بل فقد حتى حقه في قبر، قبل أن يستعيده أخيرًا.
💬 التعليقات (0)