لا تنظر دراسة الباحث النيجيري حكيم أَلَادَيْ نجم الدين إلى الجفاف والتصحر والهجرة في الساحل وغرب أفريقيا باعتبارها أزمات بيئية وإنسانية منفصلة عن الصراع، وإنما باعتبارها عوامل تتداخل مع هشاشة الحكم والفقر والتنافس على الموارد والتوترات المجتمعية، فتضاعف احتمالات العنف، وتوسع المساحات التي تستطيع الجماعات الإرهابية والمسلحة التحرك داخلها. فالمناخ، وفق هذا التصور، لا يشعل الحرب بمفرده، لكنه يعيد تشكيل البيئة التي ينشأ فيها الصراع، ويضغط على المجتمعات والدول، ويدفع السكان إلى الحركة بحثًا عن الماء والأرض والعمل والأمن، ثم يحول الاحتكاكات المحلية إلى أزمات أكبر عندما تعجز المؤسسات عن إدارتها.
وتستند الدراسة في طرحها إلى مؤشرات حديثة شهدتها المنطقة؛ إذ أشارت تقييمات وطنية وإقليمية إلى تصاعد الصراعات العابرة للحدود المرتبطة بعوامل مناخية، وخلصت دراسة صدرت في يناير/كانون الثاني 2026 إلى أن التصحر أصبح مقدمة هيكلية للتطرف العنيف في مناطق مثل شمال نيجيريا، فيما رصدت دراسات أخرى استغلال الجماعات الإرهابية والمسلحة في مالي وبوركينا فاسو والنيجر للتدهور البيئي في تحقيق أهدافها. وفي مايو/أيار 2026، حذر مؤتمر وزاري إقليمي في لاغوس من العلاقة بين التدهور البيئي والأمن الإقليمي، ثم جاء تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا"، الصادر في 3 يونيو/حزيران، ليشير إلى مساهمة تسارع التصحر وامتداد الجفاف في تحول وسط الساحل إلى بؤرة للعنف.
ولا تعني هذه العلاقة، كما تؤكد الدراسة، أن الجفاف أو التصحر يؤديان بصورة آلية إلى اندلاع نزاع مسلح. فالعامل البيئي يعمل داخل بيئة سياسية واجتماعية واقتصادية قائمة، ويصبح تأثيره أكبر عندما يصطدم بحكم هش ومؤسسات ضعيفة ونظم عاجزة عن إدارة الموارد وحل النزاعات. ولذلك تصف الدراسة الجفاف والتصحر بأنهما مضاعفان للصراع؛ لأنهما يزيدان الضغط على المشكلات القائمة، ويدفعان إلى تحولات ديمغرافية واسعة بفعل الهجرة، ويرفعان العبء الواقع على دول تعاني أصلًا من أزمات أمنية ومؤسسية.
تبدأ الحلقة من الجفاف الذي لم يعد مجرد موسم سيئ تتراجع فيه الأمطار، وإنما أصبح ظاهرة متكررة تضغط بصورة مباشرة على نمط الحياة الذي تعتمد عليه مجتمعات واسعة في الساحل وغرب أفريقيا. فالزراعة المعتمدة على الأمطار والرعي يمثلان شرياني الحياة لملايين السكان، وأي اضطراب ممتد في المياه يتحول سريعًا إلى أزمة معيشية.
وتشير الدراسة إلى أن ارتفاع درجة الحرارة في المنطقة يتقدم بوتيرة تقارب مرة ونصف المتوسط العالمي، بما يزيد تدهور الأراضي واستنزاف الموارد الطبيعية المشتركة. كما تربط النماذج المناخية ارتفاع حرارة المحيطين الأطلسي والهندي باضطراب دورات الرياح الموسمية التقليدية، الأمر الذي يؤدي إلى بدايات "خاطئة" ونهايات مبكرة لمواسم المطر.
ولا تعوض الأمطار الغزيرة المفاجئة هذا النقص؛ فبدلًا من هطول مستمر يسمح بإتمام الدورة الزراعية، قد تأتي الأمطار في فترات قصيرة وحادة في نهاية الموسم، فتسبب فيضانات تجرف الطبقة السطحية من التربة، وتغمر المحاصيل الصغيرة. وهكذا تواجه الزراعة خطرين متناقضين ظاهريًا، لكنهما يصدران عن الاضطراب المناخي نفسه: نقص المياه من جهة، وأمطار عنيفة مدمرة من جهة أخرى.
💬 التعليقات (0)