لم تكن غزة، في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، مجرد مساحة جغرافية محاصرة، ولا مجرد ساحة مفتوحة لمقاومة مستمرة وعنيدة ضد الاحتلال. فقد كانت، في كل المنعطفات الكبرى، رافعةً لتجديد الوطنية الفلسطينية، وحاضنةً للهوية الوطنية الجامعة، كلما تعرض المشروع الوطني لمحاولات الطمس أو التفكيك أو الاختزال أو الإحلال.
من مخيماتها انطلقت انتفاضة فلسطين الكبرى التي أعادت الاعتبار للهوية الفلسطينية ومكانة القضية الوطنية، وعلى أرضها تبلورت محطات مفصلية أعادت صياغة العلاقة بين الشعب وقضيته. واليوم، بعد حرب الإبادة الجماعية الأكثر تدميرًا في تاريخ الشعب الفلسطيني، تعود غزة لتطرح سؤالًا يتجاوز حدود الحرب ونتائجها المباشرة؛ هل يمكن أن تتحول تضحياتها الهائلة إلى لحظة تأسيس سياسي جديد، لا مجرد محطة أخرى في إدارة أزمة ممتدة؟ فغزة لا تطرح فقط سؤال إعادة الإعمار على أهمية ذلك لحياة أهلها، بل وأيضًا سؤال إعادة بناء السياسة الفلسطينية نفسها.
الحرب كشفت أزمة النظام السياسي لا أزمة إدارة غزة فقط
إن النقاش الدائر حول ترتيبات مرحلة ما بعد الحرب، مهما كانت صيغها أو الجهات المشاركة فيها، يظل ناقصًا إذا اختُزل في كيفية إدارة القطاع أو من سيتولى مسؤولية مؤسساته. فهذه ترتيبات مؤقتة، قد تكون ضرورية انتقاليًا لمعالجة الواقع المباشر، لكنها لا تستطيع إطلاقًا إنتاج شرعية وطنية جديدة أو إعادة بناء نظام سياسي قادر على مواجهة المرحلة التاريخية المقبلة.
المسألة الأعمق هي أن الحرب كشفت أزمة أقدم من الحرب نفسها؛ أزمة نظام سياسي فلسطيني ظل عاجزًا عن حل التناقض المركزي الذي رافق التجربة منذ إنشاء السلطة الفلسطينية وهي كيف يمكن لشعب يعيش مرحلة تحرر وطني في مواجهة مشروع استعماري استيطاني، أن يبني في الوقت ذاته مؤسسات دولة ديمقراطية حديثة؟ هذا السؤال لم يكن يومًا مسألة نظرية، بل كان جوهر المأزق الفلسطيني خلال العقود الثلاثة الماضية.
وإذا كانت الحرب قد كشفت حدود الصيغ السياسية التي حكمت المرحلة الماضية، فإن ما أبدته حركة حماس وقوى المقاومة من مرونة متزايدة حيال قضايا الحكم وإدارة قطاع غزة، معلنة موافقتها على مقاربة حول قضية السلاح في إطار وطني توافقي، يمثل تطورًا سياسيًا لا ينبغي التعامل معه بوصفه مجرد استجابة ظرفية لضغوط الحرب. فالقيمة الحقيقية لهذه المرونة، تكمن في إمكانية أن تفتح نافذة لمعالجة الأزمة الداخلية الفلسطينية من جذورها، عبر إعادة تعريف العلاقة بين المقاومة والسلطة، وبين مهام التحرر الوطني ومتطلبات الحكم الديمقراطي، بما يؤسس لشراكة وطنية جديدة، بدلًا من الاكتفاء بإدارة الانقسام أو إعادة إنتاجه.
💬 التعليقات (0)