تسير الولايات المتحدة اليوم، بوعي أو بغير وعي، نحو الفخ ذاته الذي نصبته لنفسها القوى العظمى عبر التاريخ؛ ذلك الفخ الذي أطاح بالاتحاد السوفيتي حين استنزف قواه في صراعات عبثية بعيدة عن حدوده، بينما كانت ركائز مجتمعه تتآكل من الداخل بصمت. إن المشهد الجيوسياسي الراهن في منطقة الشرق الأوسط يعيد صياغة التاريخ في بث حي ومباشر، حيث نرى دول الخليج تمول جنازتها الخاصة بأموالها، بينما تكتفي واشنطن بتقديم المجارف لحفر القبور، في مفارقة تراجيدية تعكس عمق الانفصال عن الواقع. ما يحدث ليس مجرد مناورات عسكرية أو تحالفات تكتيكية عابرة، بل هواقتص أكبر فخ جيوسياسي في العصر الحديث، فخ يهدف إلى تفكيك المنطقة برمتها لصالح رؤى استعمارية قديمة ومحدثة تتجاهل تماما كينونة الشعوب وحقوقها الأصيلة في الوجود والسيادة.
واللافت في الأمر أن قلة قليلة هي من تربط الخيوط ببعضها البعض، بينما تنشغل الآلة الإعلامية الغربية ببيع قصص "النصر الزائف" للشعوب، في حين أن الحقيقة تكمن في قصة انهيار شامل لن يتوقف عند حدود الجغرافيا الإيرانية، بل سيمتد ليحرق الشرق الأوسط برمته، ويصل لهيبه إلى قلب الدولة الأمريكية، ثم ينتهي الأمر بهدوء وبطىء ليعيد رسم موازين القوى في العالم أجمع، تماما كما حدث مع السوفييت، ولكن مع فارق وحيد هو أن أحدا هذه المرة لا يريد رؤية الهاوية التي يقترب منها الجميع بخطى واثقة.
إن الدول المركزية في المنطقة، من السعودية والإمارات إلى قطر والبحرين، لم تعد مجرد مراقبة لما يجري من حولها، بل أصبحت عناصر تمكين فاعلة في هذا المسار الانتحاري؛ فمن خلال فتح الأجواء وتقديم الدعم الاستخباراتي اللوجستي واستضافة القواعد العسكرية الأمريكية التي أصبحت تنطلق من أراضيها، تنفذ هذه الدول أجندات لا تخدم في النهاية سوى مشروع واحد غريب عن المنطقة وأهلها.
وهنا يبرز السؤال الوجودي الذي يتجاهله صانعو القرار في هذه العواصم: هل تدركون حقا ماهية المشروع الذي تدعمونه ومن يملك المخطط النهائي لهذه الأرض التي تقفون عليها؟ فبالعودة إلى الوثائق التاريخية والاستراتيجية التي لا تموت بمرور الزمن، نجد "خطة ينون" التي نُشرت عام 1982من قبل المنظمة الصهيونية العالمية، والتي لم تكن مجرد حبر على ورق، بل كانت بمثابة دستور استراتيجي يهدف إلى إعادة تشكيل البيئة المحيطة لتكون مجرد شظايا ودويلات ضعيفة وممزقة على أسس طائفية وعرقية. هذه الرؤية تلتقي مع الطموحات التاريخية التي سُجلت في مذكرات "ثيودور هرتزل" وتصريحات الحاخامات الأوائل أمام المحافل الدولية، والتي ترسم حدودا خيالية تمتد من "نيل مصر إلى فرات العراق"، وهي خارطة تبتلع في طريقها الأردن وسوريا والعراق وأجزاء شاسعة من الجزيرة العربية، مما يعني أن الكيانات القائمة اليوم ليست سوى عقبات مؤقتة في نظر هذا المشروع التوسعي.
إن ما نشهده اليوم من تحول لبنان إلى دولة مفرغة من سيادتها، وتحطم العراق وتحويله إلى ساحة تصفية حسابات، ونزيف سوريا المستمر الذي أتى على الأخضر واليابس، ومحو الدولة في ليبيا، وزعزعة استقرار اليمن بشكل دائم، ليس إلا فصولا متتالية ومدروسة بعناية في هذه الرواية الدموية. لقد كشف الجنرال الأمريكي "ويسلي كلارك" علانية عن نوايا البنتاغون في تدمير سبع دول خلال خمس سنوات، كانت إيران هي الخاتمة في تلك القائمة. وبإزالة هذا العائق العسكري الأخير، سيصبح الطريق ممهدا تماما لإعادة رسم المنطقة بالكامل دون معارضة تذكر، حيث ستتحول الدول التي تظن نفسها اليوم شريكة في "النصر" إلى مجرد قطع شطرنج يتم التخلص منها في المرحلة التالية.
إن الملكيات الخليجية التي تبارك اليوم ضرب خصومها الإقليميين وتسعى لتصفية الحسابات القديمة، تقع في وهم استراتيجي قاتل؛ فهي لا تدرك أنها ليست "حليفا" حقيقيا في هذا المخطط، بل هي مجرد أداة وظيفية سيحين دور تفكيكها فور انتهاء الحاجة إليها. والواقع يثبت أنها لا تملك حتى الآن القدرة الذاتية على حماية نفسها، فبمجرد أن تقرر واشنطن الانسحاب أو تغيير بوصلة أولوياتها، لن تجد هذه الدول من يسند ظلها، وسوف تجد نفسها وحيدة أمام شعوبها وأمام القوى الإقليمية التي ساهمت في تدميرها.
💬 التعليقات (0)