عضو الأمانة العامة لاتحاد الاقتصاديين الفلسطينيين
لم يقتصر العدوان على غزة على تدمير المنازل والطرق والمنشآت، بل خلّف كارثة بيئية غير مسبوقة ستظل آثارها ماثلة لسنوات، وربما لعقود فالبيئة ليست مجرد إطار طبيعي للحياة، بل تُعد أحد أهم مقومات الاقتصاد، إذ تعتمد عليها الزراعة، والمياه، والصحة العامة، والإنتاج. وعندما تتعرض هذه المقومات للتدمير، فإن كلفة التعافي الاقتصادي تصبح أكبر وأكثر تعقيدًا.ويؤكد التقييم المشترك الصادر عن البنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي أن احتياجات إعادة الإعمار والتعافي في غزة تُقدَّر بنحو 73 مليار دولار، من الأضرار المباشرة في المباني والبنية التحتية إضافة إلى خسائر اقتصادية نتيجة توقف الأنشطة الإنتاجية، وتعطل الخدمات، وانخفاض الدخل. وتعكس هذه الأرقام أن الخسائر لا تقتصر على ما دُمِّر، بل تمتد إلى ما فقده الاقتصاد من فرص للإنتاج والنمو.
ويُعد القطاع البيئي من أكثر القطاعات تضررًا، رغم أنه يشكل قاعدة أساسية لأي نشاط اقتصادي. فقد أدى تدمير آبار المياه وشبكات المياه والصرف الصحي إلى تفاقم أزمة المياه، وزيادة مخاطر تلوث الخزان الجوفي، بما يهدد الأمن المائي والغذائي في آن واحد ، فالمياه الملوثة لا تؤثر في صحة الإنسان فحسب، بل تقلص الإنتاج الزراعي، وترفع تكاليف الري، وتزيد من كلفة الإنتاج، وتفاقم الاعتماد على المساعدات والاستيراد.
كما خلّفت الحرب ما بين 50-55 مليون طن من الركام المنتشر في مختلف أنحاء القطاع ،ولا يمثل هذا الركام مجرد أنقاض، بل يحتوي في أجزاء منه على مخلفات متفجرات ومواد خطرة قد تتسرب إلى التربة والمياه والهواء، مسببة آثارًا بيئية طويلة الأمد.
وتشير التقديرات الدولية إلى أن إدارة هذا الركام وحده قد تكلف نحو 2.38 مليار دولار خلال السنوات المقبلة، إضافة إلى ما يقارب 541 مليون دولار لإزالة الذخائر غير المنفجرة، وهو ما يبرز حجم العبء الاقتصادي الناجم عن الدمار البيئي.
ولا تقتصر الخسائر على إزالة الأنقاض، إذ تشيرالتقييمات الدولية إلى أن الأضرار البيئية المباشرة ارتفعت إلى نحو 151.5 مليون دولار، فيما بلغت الخسائر البيئية المقدرة 218.5 مليون دولار ،وتمثل هذه الأرقام جزءًا من الكلفة الاقتصادية لتدهور الموارد الطبيعية، في حين أن آثارها الفعلية قد تمتد لسنوات طويلة وتتجاوز ما يمكن قياسه ماليًا.
💬 التعليقات (0)