الأحد 02 أغسطس 2026 10:00 صباحًا - بتوقيت القدس
يوم جديدتُقرأ اللقاءات السياسية الكبرى عادةً من خلال ما تُحدثه من تحولات في السياسات، لا من خلال الصور التي تُلتقط أو الرسائل الإعلامية التي ترافقها. ومن هذا المنطلق، فإن لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالرئيس الأمريكي دونالد ترمب لا يبدو، حتى الآن، محطة تؤسس لمسار سياسي جديد، بقدر ما يعكس احتياجات سياسية وانتخابية داخلية يواجهها نتنياهو في هذه المرحلة.يدخل نتنياهو السباق الانتخابي وهو يواجه تحديات داخلية متزايدة، تتعلق بإدارته للحرب، والانقسام السياسي الإسرائيلي، وتراجع الثقة بقيادته، إلى جانب تساؤلات متصاعدة حول طبيعة علاقته بالإدارة الأمريكية. وفي مثل هذا السياق، يصبح الظهور إلى جانب الرئيس الأمريكي رسالة موجهة أولًا إلى الناخب الإسرائيلي، هدفها إعادة إنتاج صورة الزعيم القادر على الحفاظ على متانة التحالف مع واشنطن وإدارة الملفات الإقليمية الكبرى.لا يعني ذلك أن الولايات المتحدة وإسرائيل أصبحتا على طرفي نقيض. فالتحالف الاستراتيجي بينهما لا يزال ثابتًا، لكن الخلافات التي برزت خلال الأشهر الماضية تتعلق بإدارة الحرب وتوقيتها وحدودها، وبكيفية التعامل مع ملفات غزة وإيران ولبنان، وليس بجوهر العلاقة أو بأهدافها الاستراتيجية.حتى الآن، لا يحمل اللقاء مؤشرات على إطلاق مبادرة سياسية جديدة، أو استئناف عملية تفاوضية، أو ممارسة ضغط فعلي لإنهاء الاحتلال، أو وقف الاستيطان، أو توفير حماية حقيقية للمدنيين الفلسطينيين. لذلك، فإن تقييم هذا اللقاء يجب أن يستند إلى نتائجه العملية، لا إلى قيمته الإعلامية أو رمزيته السياسية.ومن هنا، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية.السيناريو الأول، وهو الأكثر ترجيحًا، يتمثل في توظيف نتنياهو لهذا اللقاء ضمن حملته الانتخابية، عبر تقديمه للرأي العام الإسرائيلي باعتباره دليلًا على استمرار الدعم الأمريكي له، وعلى قدرته في الحفاظ على مكانة إسرائيل الدولية، حتى لو لم يسفر اللقاء عن تفاهمات سياسية جديدة.أما السيناريو الثاني، فيتمثل في التوصل إلى تفاهمات محدودة بين واشنطن وتل أبيب بشأن إدارة الملفات الإقليمية، وفي مقدمتها غزة وإيران ولبنان، بما يسمح باحتواء التباينات بين الطرفين دون أن يفضي ذلك إلى تغيير جوهري في السياسة الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية أو إلى إطلاق عملية سلام ذات مصداقية.ويبقى السيناريو الثالث، وهو الأكثر إثارة للقلق، احتمال لجوء نتنياهو إلى خلق وقائع جديدة على الأرض أو تصعيد عسكري يخدم حساباته الانتخابية. فقد أثبتت التجربة السياسية الإسرائيلية مرارًا أن القضايا الأمنية كثيرًا ما تُستخدم لتعزيز الموقع السياسي لرؤساء الحكومات، وأن الحكومات اليمينية تلجأ إلى فرض حقائق ميدانية عندما تضيق خياراتها الداخلية.في المقابل، لا يجوز للفلسطينيين أن يكتفوا بمتابعة اللقاءات الأمريكية الإسرائيلية أو انتظار ما قد ينتج عنها أو عن الانتخابات الإسرائيلية أو الأمريكية على حد سواء. فالقضية الفلسطينية لا يمكن أن تبقى رهينة الحسابات الانتخابية الإسرائيلية أو أولويات الإدارات الأمريكية المتعاقبة. المطلوب هو امتلاك رؤية فلسطينية واضحة تستند إلى تجديد الشرعية عبر الانتخابات، وتعزيز الوحدة الوطنية، وحماية المواطنين، ومواجهة المشروع الاستيطاني، والاستفادة من أدوات القانون الدولي والدبلوماسية متعددة الأطراف لفرض المساءلة وإنهاء سياسة الإفلات من العقاب.إن أي حديث عن الاستقرار الإقليمي أو السلام يبقى منقوصًا ما دام الاحتلال مستمرًا، والاستيطان يتوسع، والمدنيون الفلسطينيون يفتقدون الحماية التي يكفلها القانون الدولي. فالسلام لا يصنعه لقاء عابر، ولا صورة أمام عدسات الكاميرات، بل تصنعه إرادة سياسية تلتزم بالعدالة، وتنهي الاحتلال، وتعترف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة.لذلك، فإن لقاء نتنياهو وترمب ينبغي أن يُقرأ في سياقه الحقيقي: حتى الآن، هو أقرب إلى محطة تخدم الحملة الانتخابية الإسرائيلية منه إلى بداية مسار سياسي جديد. أما الحكم النهائي، فلن تصنعه التصريحات، بل ستحدده الوقائع على الأرض، ومدى قدرة المجتمع الدولي على الانتقال من إدارة الصراع إلى معالجة جذوره وفق قواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.
لقاء نتنياهو وترمب.. والحملات الانتخابية
بقلم: د. منى أبو حمدية أكاديمية وباحثة
المهندس غسان جابر: القيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
💬 التعليقات (0)