عند الدخول إلى مبنى "الرايخستاغ" -وهو مقر البرلمان في عهد ألمانيا النازية- يمكن الزائر أن يشاهد كتابات على جدران الجناح الغربي من المبنى، وعلى جانب الدرج الذي يؤدّي إلى قاعة الاجتماعات الرسمية. وهي كتابات نقشها جنود سوفيات على الجدران في مايو/أيار 1945 عند سقوط برلين خلال الحرب العالمية الثانية.
حفر الجنود السوفيات بسكاكينهم جدران المبنى، وكتبوا بواسطة الفحم والطلاء الأسود أسماءهم، وأبياتا من الشعر، وأسماء المدن الألمانية التي مرّوا بها. كانت تلك الكتابات أكثر العلامات وضوحا على تشكّل أهمّ ملمح لفنّ الغرافيتي (Graffiti) أي الكتابة والرسم على الجدران في النصف الأوّل من القرن العشرين.
يقوم فنّ الغرافيتي على ركيزة أساسية هي التخريب (Vandalism)، بمعناه الأشمل والأعقد الذي يقترب من التمرّد والتحدي أكثر من التخريب المادي المجرد. فالجنود السوفيات اختاروا الكتابة على الرايخستاغ و"تخريب" جدرانه بكتابة عبارات مثل: "انتقامًا لدم أبي" و"سيتذكر الأوغاد"؛ لأنّ المبنى كان رمزا للسلطة النازية، والكتابة عليه هي إعلان للانتصار والانتقام في الوقت نفسه.
تقول الباحثة أشانتي وايت في دراستها «من البدائية إلى الأساس: تطور فن الغرافيتي»، إنّ مصطلح الغرافيتي مشتقّ من الكلمة اللاتينية (graphīre) التي تعني الكتابة، والمترابطة بالكلمة الإيطالية (graffito) التي تعني النقش أو الرسم، ويشير الاسم حرفيا إلى الخدش.
الغرافيتي هو كتابة أو رسوم بخط اليد، أو مخدوشة، أو مرشوشة بشكل غير قانوني على جدار أو سطح في مكان عام
يُشكّل الجانب السريّ أو غير القانوني للكتابة والرسم على الجدران أهمّ الأسس التي تُكمل تعريف الغرافيتي؛ غير أنّ هذا الركن تشكّل بسبب سياقات اجتماعية وسياسية مختلفة. وفي المقابل، فإن غياب ثلاثية التخريب والسرية واللاقانونية لا ينفي وجود هذا الفن منذ عصور قديمة.
💬 التعليقات (0)