f 𝕏 W
نحن لا نموت من الأحداث.. نموت من اللامبالاة الرقمية

جريدة القدس

سياسة منذ 22 أيام 0 3 د قراءة
زيارة المصدر ←

نحن لا نموت من الأحداث.. نموت من اللامبالاة الرقمية

ملخص ذكي بالذكاء الاصطناعي
مُلخَّص تلقائياً من الخبر الأصلي
تتناول المقالة ظاهرة "اللامبالاة الرقمية" التي تجعل الأفراد أقل استجابة للأحداث المأساوية حول العالم بسبب التعرض المستمر لها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وتشير إلى أن التفاعل الرقمي، مثل المشاركة والتعليق، لا يترجم بالضرورة إلى تأثير حقيقي على أرض الواقع، مما يؤدي إلى استنزاف المشاعر دون إحداث تغيير ملموس.
أبرز النقاط

لم يعد السؤال اليوم: ماذا يحدث في العالم؟ بل أصبح السؤال: لماذا لم نعد نشعر بما يحدث في العالم؟ نستيقظ كل صباح على أخبار الحروب، وصور الأطفال تحت الأنقاض، والمجاعات، والكوارث الإنسانية، والانهيارات الاقتصادية، ونمر عليها جميعاً بحركة إصبع إلى الأسفل، ثم ننتقل إلى فيديو مضحك أو إعلان أو وصفة طعام، وكأن شيئاً لم يكن. ليست المشكلة أننا لا نرى المأساة، بل أننا نراها باستمرار حتى فقدت قدرتها على إيقاظنا، وأصبح الألم حدثاً يومياً يمر أمام أعيننا دون أن يترك الأثر نفسه الذي كان يتركه قبل سنوات.

في زمن سابق، كان خبر واحد كفيلاً بإشعال مدينة كاملة. كانت صورة واحدة تحرك الشارع، وتدفع النقابات إلى الإضراب، وتخرج آلاف الناس إلى الساحات، وتجبر السياسيين على تقديم إجابات. كان الناس يغضبون، ثم يتحركون، وكانت هناك مسافة قصيرة بين الشعور والفعل. أما اليوم فقد أصبحت تلك المسافة طويلة إلى درجة أننا نتوقف عند أول محطة، محطة التعبير، ونقنع أنفسنا أننا وصلنا إلى النهاية. نكتب منشوراً غاضباً، نشارك صورة، نترك تعليقاً، نحصل على مئات الإعجابات، ثم نشعر براحة داخلية توحي لنا بأننا أدينا واجبنا تجاه القضية، بينما الواقع خارج الشاشة لم يتغير قيد أنملة.

المفارقة أن منصات التواصل الاجتماعي جاءت إلينا بوعد كبير؛ أن تمنح كل إنسان صوتاً، وأن تجعل الوصول إلى الحقيقة أسهل، وأن تخلق قدرة جماعية على التأثير. لكنها في المقابل غيرت طبيعة الغضب نفسه. أصبح الغضب سريعاً، آنياً، وقصير العمر. القضية التي كانت تبقى في الوعي العام شهوراً أصبحت تعيش ساعات قليلة قبل أن تدفنها خوارزمية تبحث عن المحتوى التالي. لم تعد الأحداث تتنافس على الحقيقة، بل على الانتباه، ومن يفقد الانتباه يفقد وجوده، مهما كانت مأساته كبيرة.

ولأننا نعيش داخل هذا التدفق اللامتناهي من الأخبار، بدأنا نخلط بين التفاعل والتأثير. أصبح كثيرون يعتقدون أن كتابة رأي حاد تعادل المشاركة في صناعة التغيير، وأن مشاركة منشور هي صورة من صور الفعل، وأن الوسم الذي يتصدر المنصة يعني أن المجتمع تحرك بالفعل. لكن الحقيقة أن التفاعل الرقمي، مهما كان واسعاً، لا يصبح مؤثراً إلا إذا تحول إلى سلوك منظم، أو ضغط مجتمعي، أو عمل مؤسسي، أو مبادرة على أرض الواقع. أما إذا بقي حبيس الشاشة، فإنه يمنح صاحبه شعوراً بالإنجاز أكثر مما يصنع إنجازاً حقيقياً.

وهنا تكمن أخطر النتائج. لسنا فقط نستهلك الأخبار، بل نستهلك مشاعرنا أيضاً. كل يوم نستنزف قدراً جديداً من الغضب والحزن والتعاطف، حتى يصبح العقل أقل استجابة للمشهد التالي، مهما كان قاسياً. ننتقل في أقل من دقيقة من مشاهدة مجزرة إلى إعلان تجاري، ثم إلى فيديو ساخر، ثم إلى مباراة كرة قدم، دون أن تمنحنا المنصة فرصة لاستيعاب ما رأيناه أو التفكير فيه. كل شيء أصبح متجاوراً، وكل شيء أصبح عابراً، حتى الألم نفسه.

لا يعني ذلك أن وسائل التواصل الاجتماعي بلا قيمة، فهي لعبت دوراً مهماً في كشف الانتهاكات، ونقل الحقيقة، وتوثيق الجرائم، وإيصال أصوات لم تكن لتصل في السابق. لكنها تصبح مشكلة عندما تتحول من وسيلة إلى بديل، ومن أداة إلى غاية، ومن مساحة للتعبئة إلى مساحة لتفريغ الغضب فقط. فالمنشور لا يعوض الاجتماع، والتعليق لا يعوض المبادرة، وإعادة النشر لا تعوض المشاركة في الفعل العام عندما يكون ذلك ممكناً.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)