في غزة ، لم يعد الإخلاء انتقالاً من مكان إلى آخر، بل صار انتقالاً من حياة إلى حياة أقل يقيناً، ومن خوف إلى خوف أشد وطأة. لم تعد الكلمة تشير إلى إجراءٍ مؤقت تفرضه ظروف استثنائية، بل أصبحت عنواناً ليوميات كاملة، تبدأ برنين هاتف، أو بنداءٍ يصل إلى أحد السكان، أو رسالةٍ مقتضبة تحمل أمراً لا يقبل النقاش: أخلوا المكان... لديكم دقائق فقط.
في تلك اللحظة، يتوقف الزمن. لا أحد يسأل: إلى أين؟ ولا أحد يملك رفاهية التفكير بما سيترك خلفه. السؤال الوحيد الذي يملأ العيون هو: هل سننجو؟
تندفع الجموع كما يندفع الماء حين ينكسر السد. رجل يحمل أمه التي أثقلها العمر، وأم تضم طفلاً يختلط بكاؤه بخفقان قلبها، وفتاة تحاول أن تستر نفسها وسط الفوضى، وشاب يسند أباه المريض الذي لم يعد يقوى على الركض. عائلات كاملة تتشظى في لحظات، يسبق الأب أبناءه، وتضيع الأم عن زوجها، ويختفي الأطفال بين آلاف الوجوه الهاربة. لا أحد يلتفت خلفه، لأن الخلف قد صار موعدًا مع القصف.
بين المكالمة الأولى والانفجار، لا يفصل الناس عن مصيرهم سوى دقائق معدودة، خمس عشرة دقيقة في أحسن الأحوال. خمس عشرة دقيقة لا تكفي لجمع وثيقة هوية، ولا لالتقاط صورة عائلية، ولا ل فتح خزانة تحفظ ذكريات العمر. في تلك الدقائق، تصبح الأرواح أخف من الحقائب، ويصبح البقاء على قيد الحياة أغلى من البيوت والأثاث والذهب والأوراق الثبوتية. يغادر الناس كل شيء، وكأنهم يخرجون من أعمارهم، لا من منازلهم.
أما حين يأتي أمر الإخلاء ليلاً، فإن المأساة تبلغ ذروتها. يستيقظ الأطفال على صرخات الفزع قبل أن يستيقظوا على الضوء، ويرتجف العجائز وهم يبحثون في العتمة عن عصا أو دواء أو يدٍ تأخذهم إلى الخارج. تمتزج أصوات البكاء بأصوات الخطوات المتعثرة، وتتحول الأزقة إلى أنهارٍ من البشر يجرون بلا وجهة واضحة، فيما يبقى الليل شاهداً على خوفٍ لا تعرفه المدن الآمنة.
ليس أصعب من أن يخرج الإنسان من بيته، إلا أن يخرج وهو يعلم أنه قد لا يعود إليه أبداً. فالبيت في غزة لم يعد جدراناً وسقفاً، بل ذاكرة كاملة: رائحة الخبز، وضحكات الأطفال، وصور الراحلين، وأول لعبة، وآخر كتاب، وكل ما يمنح الإنسان شعور الانتماء. وحين يُجبر على تركه في دقائق، فإنه لا يفقد حجارةً فقط، بل يفقد جزءًا من ذاته.
التعليقات (0)