حين يُذكر الأسر، تتجه الأبصار إلى الزنازين، وإلى الأبواب الحديدية، وإلى القيود التي تكبّل الأيدي. لكن هناك سجن آخر لا جدران له، ولا أقفال، ولا أبراج مراقبة، ومع ذلك قد يكون أشد قسوة من الزنزانة نفسها. إنه سجن الإبعاد... ذلك العقاب الذي أراده الاحتلال امتدادًا للأسر، لا نهايةً له.
ظن الناس أن الأسير حين خرج من سجنه قد نال حريته، لكن الحقيقة أن كثيرًا من الأسرى لم يخرجوا إلى الحرية، بل خرجوا إلى منفى جديد. تبدلت الجدران بالحدود، وتغيرت الزنازين بالخرائط، لكن الألم بقي هو الألم، والحرمان بقي هو الحرمان.
فالغربة ليست حقيبة سفر، ولا ختمًا على جواز، ولا رحلةً إلى بلاد بعيدة. الغربة أن تستيقظ كل صباح وأنت تعرف أن وطنك أقرب إليك من نبض قلبك، لكنه أبعد من أن تبلغه يدك. أن ترى البلاد في خيالك، وتشم رائحة ترابها في ذاكرتك، بينما يحول الاحتلال بينك وبين شجرة زرعتها، أو قبر أمك، أو عناق طفل كبر دون أن تكبر معه.
والأشد مرارة أن الاحتلال لم يكتفِ بإبعاد الأسير عن وطنه، بل حاصر حتى اللقاء. فمنع آباءه وأمهاته، وزوجاته وأبناءه، من السفر إليه، وكأن العقوبة يجب أن تطال الجميع. فأصبح المنفى لا ينهش قلب الأسير وحده، بل ينهش قلوب أسرته كلها. هناك أبٌ ينتظر ابنه، وأمٌ تذبل وهي تحلم بعناق ولدها، وأطفال يحفظون ملامح آبائهم من الصور أكثر مما يعرفونها من الحياة.
ولم يتوقف هذا الظلم عند من أُبعد خارج فلسطين، بل طال أيضًا من أُبعد من الضفة الغربية إلى غزة. فهو في وطنه... لكنه غريب. يرى سماء فلسطين، ويتنفس هواءها، لكن بينه وبين أهله حواجز وأسلاك وقرارات احتلال. أي مفارقة أقسى من أن يكون الإنسان في وطنه، ومع ذلك يُعامل كأنه في أقصى المنافي؟
إنها غربة لا تُقاس بالكيلومترات، بل بعدد الأعياد التي تمر دون لقاء، وبعدد الجنائز التي غاب عنها الأبناء، وبعدد الأعراس التي بقيت فيها الكراسي فارغة، وبعدد الأمهات اللواتي رحلن وهن ينتظرن لحظة احتضان أبنائهن المحررين.
التعليقات (0)