عندما تمر الشعوب بمنعطفات تاريخية كبرى، لا يعود السؤال: من يقود؟ بل: كيف يُعاد بناء المشروع الوطني ليصبح أكثر قدرة على الصمود، وأكثر استعدادًا لصناعة المستقبل. وهذا هو السؤال الذي يفرض نفسه اليوم على الفلسطينيين، بعد مرحلة تُعد من أكثر المراحل قسوة وتعقيدًا منذ النكبة، حيث تداخلت الحرب المدمرة على قطاع غزة مع التصعيد الاستيطاني والضم في الضفة الغربية والقدس، وتزايدت محاولات تقويض منظمة التحرير الفلسطينية، وإعادة تعريف القضية الفلسطينية بما يخدم مشروع الاحتلال، ويحولها من قضية تحرر وطني إلى مجرد أزمة إنسانية أو أمنية.
إن هذه التحولات لا تمثل أحداثًا متفرقة، بل تعكس انتقال الصراع إلى مرحلة جديدة، تختلف في أدواتها وأهدافها عن المراحل السابقة. ومن ثم، فإن مواجهتها لا يمكن أن تتم بالعقلية ذاتها، ولا بالأدوات نفسها، ولا بإدارة الأزمات اليومية، وإنما تتطلب مراجعة وطنية شاملة، تعيد بناء الفكر والمؤسسات، وتجدد أدوات العمل، وتؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الفلسطينيون أكثر قدرة على المبادرة، لا الاكتفاء بردود الأفعال.
وفي هذا السياق، يبرز الحديث عن حركة فتح، لا لأنها أكبر التنظيمات الفلسطينية فحسب، بل لأنها كانت، منذ انطلاقتها، العمود الفقري للحركة الوطنية الفلسطينية، وصاحبة الدور الأبرز في إعادة الاعتبار للهوية الوطنية، وفي بناء منظمة التحرير الفلسطينية وتعزيز مكانتها ممثلًا شرعيًا للشعب الفلسطيني. ولذلك فإن أي نقاش حول مستقبل الحركة لا ينبغي أن يُختزل في أسماء القيادات، أو موازين القوى الداخلية، أو استحقاقات المؤتمرات التنظيمية، بل يجب أن يرتبط بالسؤال الأكبر: كيف تستعيد فتح قدرتها على الإسهام في قيادة المشروع الوطني الفلسطيني في مرحلة تتعرض فيها القضية لأوسع محاولات التفكيك وإعادة الصياغة؟
إن الخطأ الذي تقع فيه كثير من النقاشات السياسية أنها تنظر إلى التجديد باعتباره تغييرًا في الأشخاص، بينما التجديد الحقيقي يبدأ من مراجعة الفكر، وتطوير المؤسسة، وتجديد أدوات العمل، وإعادة الاعتبار للكفاءة، وسيادة القانون، والعمل الجماعي، والمساءلة، وتمكين الشباب والمرأة على أساس الجدارة، لا على أساس المحاصصة أو الولاءات الضيقة. فالحركات الوطنية لا تتجدد بتبديل الوجوه وحده، وإنما بإعادة إنتاج قدرتها على الفعل، واستعادة ثقة مجتمعها، وتطوير رؤيتها بما ينسجم مع متطلبات العصر.
غير أن التجديد لن يكتمل ما لم يقترن بإصلاح سياسي حقيقي يعيد الثقة بالمؤسسات الوطنية، ويعزز الشفافية والمساءلة، ويكرس استقلال القضاء، ويجدد الشرعيات عبر الوسائل الديمقراطية، ويعيد الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية بوصفها المرجعية الوطنية الجامعة، القادرة على توحيد الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات ضمن مشروع سياسي واحد، يستند إلى الشراكة، وسيادة القانون، ووحدة القرار الوطني.
ومع أهمية التجديد والإصلاح، فإن هناك بُعدًا ثالثًا لا يقل أهمية، وربما كان الأكثر تأثيرًا في المستقبل، وهو بناء المعرفة المؤسسية. فالتاريخ يعلمنا أن الحركات الكبرى لا تحافظ على مكانتها لأنها تمتلك ذاكرة غنية، بل لأنها تحول تلك الذاكرة إلى معرفة، والمعرفة إلى منهج، والمنهج إلى مؤسسة، والمؤسسة إلى قدرة متجددة على الإبداع وصناعة القرار. أما التجربة التي تبقى حبيسة ذاكرة الأفراد، فإنها ترحل برحيلهم، بينما التجربة التي تُوثق وتُحلل وتُدرّس تصبح ملكًا للأجيال، ومصدرًا دائمًا للتطور والتجدد.
💬 التعليقات (0)