في التاسع عشر من تموز الحالي، نشرت هنا مقالاً بعنوان «مفاوضات الخلاص.. هل حانت؟».
كان واضحاً أن القاهرة تشهد حركة غير مسبوقة، وأن المباحثات تتخذ طابعاً مختلفاً، وأن الطرف الأميركي أصبح حاضراً وبقوة، وأن الفصائل ومن خلال بعض التواصل أصبح لديها قدر من التفاؤل لأنها أمام تفاصيل ما يجري، وأن حركة « حماس » ألغت اجتماعاً في اللحظة الأخيرة مع تلك الفصائل قبل أن تنطلق إلى إسطنبول لمناقشة المقترحات الأخيرة، أو للحصول على موافقة على مقايضة كانت تشكل الخيار الوحيد للحركة، لأن عداد الزمن يسير معاكساً لها منذ بدء الحرب، لكن العقل السياسي أو غير السياسي لم يكن يدرك ذلك، وإلا لما وصلت المفاوضات لمرحلة أصبح فيها ظهرها للحائط بعد التلويح الأميركي بالانتقال للخطة «ب»، والتي تعني نقل الغزيين للمنطقة الشرقية، وتكرار نموذج التصفية برفح جوعاً وقتلاً وتكون «حماس» قد فقدت آخر أوراقها.
أزمة المفاوضات أن «حماس» لم تدرك بعد كيف تتم كتابة التاريخ. فالحركة استدعت لنفسها هزيمة عسكرية، لكنها تفاوض وتضع شروطاً بما يتعاكس تماماً مع طبيعة نتائج المعارك، المهزوم لا يضع شروطاً، فبكل براءة كانت الحركة قد شكلت جيشاً نظامياً وهو كتائب القسام لتحصد نتيجة كلاسيكية للمعارك، لكنها لا تريد الاعتراف بها، المقاومة لا تنهزم لأنها تتشكل من مجموعات ليس من السهل هزيمتها، فالجيوش النظامية كجيش إسرائيل لا تنتصر على المجموعات الثورية، لكن «حماس» أصرت على أن تواجه بجيش كلاسيكي لتحصد تلك النتيجة التي تحاول إنكارها حتى اللحظة .
لم يكن أمام «حماس» سوى مقايضة ممكنة كان قد كُتب عنها منذ أسابيع «الموظفون بالسلاح»، فوضع غزة لم يعد يحتمل مزيداً من الشعارات بقدر ما يبحث عن وقف النزيف اليومي من خوف وجوع وقتل ونزوح استدعاها العقل المغامر، وتلك المقايضة كان واضحاً أن لها تاريخ صلاحية قبل أن تفقد «حماس» أي قدرة على التفاوض فيما لو اقتربنا من الانتخابات الإسرائيلية.
وفي ذلك المقال كنت قد أوضحت بعض التقدم الذي حدث في قضية الموظفين، وآلية التعامل معهم، بعد أن تقوم إسرائيل بعملية الفرز اللازمة وضمان معاش من ستتم إحالتهم على التقاعد، وتحويل بعض الشرطيين للخدمة المدنية، فيما بقيت قضية السلاح تراوح بين الكلمات.
كان واضحاً لمن يقرؤون الأحداث أن هذه الحرب لن تنتهي قبل أن تتنحى «حماس» عن حكم غزة، وقبل أن تتجرد من السلاح. وربما أن هذا يكاد يكون الإجماع الكوني الأكبر في التاريخ الحديث ولا مفر من ذلك. وكنا نتمنى كما كتبنا في البدايات أن تفهم «حماس» ذلك وتقصر الطريق وتختصر الخسارات، وتفاوض على انسحابها وسلاحها في الشهر الأول للحرب، لكن الأمر لم يكن ممكناً حين أطلقت كل حملاتها ضد من كان يجتهد ويقترح ذلك، والثانية أن الحركة كانت مأخوذة بالمثلثات الحمراء وبعض ضيوف الفضائيات من الذين وعدوها نصراً كان واضحاً استحالة الوصول إليه، وهكذا من اتهام للمثقفين بأنهم يزاحمون «حماس» على السلطة، وأن كل همهم تجريد الحركة من الحكم، فيكون الرد «نحن اليوم التالي» هكذا بكل خفة، وهو ما كان سبباً للفزع بأن هذا العقل سيستكمل تقديم مبرر تدمير كل غزة، ولن تؤهله إمكانياته السياسية البسيطة لقطع الطريق على الدهاء الإسرائيلي، فهو لم يقرأ مسار الأحداث فقط ليخمن ويقدّر، بل هاجم كل من حاول تقديم القراءة ليفاوض بعد ثلاثة وثلاثين شهراً من الإبادة على تسليم الحكم والسلاح، بعد أن هاجم كل من نصحوه بذلك مبكراً قبل الهزيمة وقبل كل تلك الخسارات.
التعليقات (0)