▪️ تقف حركة فتح اليوم أمام لحظة تاريخية شديدة التعقيد؛ فهي تحمل إرث حركة تحرر وطني قادت مشروعًا ثوريًا لعقود، وتخوض في الوقت ذاته امتحان الحكم وإدارة السلطة، وسط عواصف سياسية وإدارية ووطنية وتنظيمية عاتية. ويفرض التاريخ سؤاله الكبير: هل تستطيع حركة ثورية أن تمارس السلطة دون أن تفقد روح الثورة، وحضن الشعب، ووضوح البوصلة ؟.
انقسمت حركة فتح، في واقعها الراهن، إلى مسارين :
الأول: فتح الحزب، وهدفه قيادة النظام السياسي الفلسطيني الحاكم، والحفاظ على رموزه ورؤيته وبوصلته ومكتسباته. وتعمل جميع هياكل هذا القسم ومؤسساته من أجل ذلك. والثاني: فتح الحركة؛ فتح الفكرة والتاريخ والذاكرة النضالية؛ حراس الفكر والثقافة، والشبيبة، ومجالس الطلبة، والنقابات، والاتحادات، والأسرى في السجون؛ أولئك الذين حملوا راية البدايات، وقبضوا على جمر الثورة، وما زالوا يؤمنون بأن فتح التي ولجوا إلى عوالمها الأولى تختلف كثيرًا عن واقعها الماثل أمامهم اليوم .
لقد أحدث اتفاق أوسلو عام 1993 وقيام السلطة الفلسطينية تحولًا عميقًا في مسار الحركة؛ فانتقلت فتح تدريجيًا من حركة تحرر وطني تقود مشروعًا ثوريًا إلى حركة تخوض تجربة الحكم وإدارة السلطة. وفي خضم هذا التحول، بدأت تفقد جزءًا من حضورها الجماهيري والمجتمعي والثقافي والفكري، وأصبحت أسيرة لتعقيدات السلطة، واضعةً معظم رهاناتها في قنِّ السياسة المتحرك، على حساب الفعل التنظيمي والجماهيري المتين .
▪️عندما تصل الحركات الثورية إلى سدة الحكم، تتحول تدريجيًا إلى كيانات شمولية مغلقة، تتكئ على المال والوظائف والأمن، ولا تتقبل الرأي الآخر. وتعمل جاهدة على هندسة مجتمعاتها وهياكلها بصورة منظمة، وتعتبر المصالح، بشتى أشكالها، الوسيلة الأساسية لتحقيق ذلك. كما تستحضر التنظيم، والتاريخ، والمبادئ، والأهداف الثورية، بصورة دائمة؛ حفاظًا على نفسها واستقرارها .
وغالبًا ما تتغير نظرة الثوار، بعد اعتلائهم سدة الحكم، إلى قضايا العدالة، والشورى، والشفافية، والعمل الجماعي؛ فيصبحون أكثر تمسكًا بواقعهم ومصالحهم، ويحرصون على الابتعاد عن المخاطرة والمجازفة، ويميلون إلى المركزية الحديدية، واللون الواحد، والعصبة المتجانسة، ويضيقون ذرعًا بالتغيير والتجديد .
التعليقات (0)