f 𝕏 W
كلما كثر الدنادين، كثرت المراييع والبانورجات

راية اف ام

فنون منذ 17 أيام 👁 0 ⏱ 2 د قراءة
زيارة المصدر ←

كلما كثر الدنادين، كثرت المراييع والبانورجات

منذ أن عرف الإنسان وجود الجماعة، بقي السؤال حاضرًا: كيف تتحرك الشعوب؟ هل تتحرك بناءً على وعي كامل واختيار حر، أم أن الخوف والظروف والقصص التي تُروى لها قد تدفعها أحيانًا إلى السير في اتجاه واحد؟ وهل يمكن أن تصبح الرواية التي تُقدَّم للمجتمع أقوى من الواقع نفسه؟ تعود إحدى أشهر الرموز التي تناولت هذا السؤال إلى الكاتب الفرنسي فرانسوا رابليه في القرن السادس عشر، من خلال قصة خِراف بانورج، وهي حكاية ساخرة تحمل في داخلها قراءة عميقة لطبيعة الإنسان والجماعة. تروي حكاية فرانسوا رابليه أن بانورج، ب...

منذ أن عرف الإنسان وجود الجماعة، بقي السؤال حاضرًا: كيف تتحرك الشعوب؟ هل تتحرك بناءً على وعي كامل واختيار حر، أم أن الخوف والظروف والقصص التي تُروى لها قد تدفعها أحيانًا إلى السير في اتجاه واحد؟ وهل يمكن أن تصبح الرواية التي تُقدَّم للمجتمع أقوى من الواقع نفسه؟

تعود إحدى أشهر الرموز التي تناولت هذا السؤال إلى الكاتب الفرنسي فرانسوا رابليه في القرن السادس عشر، من خلال قصة خِراف بانورج، وهي حكاية ساخرة تحمل في داخلها قراءة عميقة لطبيعة الإنسان والجماعة.

تروي حكاية فرانسوا رابليه أن بانورج، بطل الحكاية، كان على متن باخرة تجارية، وعلى الباخرة نفسها يسافر تاجر الخراف اليهودي المعروف بالجشع ويُدعى دندونو، حيث دخل بانورج في خلاف مع ذلك التاجرن خراف دندونو بالت على مكان جلوس بانورج،ما اثار غضبه ودفعه للانتقام وعلى طريقته الخاصة، اشترى بانورج الخروف الأهم، قائد القطيع (المرياع) ، بسعر مغرٍ أشبع جشع التاجر دندونو. والواضح أن بانورج يمتلك معرفة جيدة بسلوك القطيع، ولذلك ألقى بالمرياع إلى البحر، وما إن سقط في الماء حتى بدأت بقية الخراف تقفز خلفه واحدًا تلو الآخر، وكأن حركة الأول أصبحت كافية لتحديد مصير الجميع. حاول دندونو منع الخراف، لكنها استمرت في القفز، لا لأنها تعرف الطريق، ولا لأنها اختارت النهاية، بل لأنها اتبعت الحركة الجماعية التي بدأت أمامها. تمسك دندونو بآخر خروف ليمنعه، إلا أنهما سقطا معًاًوغرقا.

لم يكن رابليه يكتب عن الخراف بقدر ما كان يكتب عن الإنسان، فالرمزية الحقيقية للحكاية ليست في الحيوان، بل في اللحظة التي يفقد فيها الفرد قدرته على التوقف والتساؤل، عندما تصبح قوة الجماعة أكبر من صوته الداخلي، وعندما يتحول الاتجاه العام إلى قوة تدفع الجميع نحو المسار نفسه.

ولم تبقَ رمزية خِراف بانورج محصورة في الأدب، بل تحولت مع الزمن إلى أداة لفهم بعض السلوكيات الجماعية في المجتمعات، خصوصًا في اللحظات التي تتعرض فيها الشعوب لصدمات كبرى أو لمخاوف تعتقد أنها وجودية، فعندما يتم إيهام المجتمع بخطر وجودي، أو يتم تضخيم الإحساس به، قد تتقدم الحاجة إلى الأمان على الرغبة في التساؤل، وقد تصبح الرواية التي تمنح تفسيرًا واضحًا للأحداث أكثر تأثيرًا من الروايات التي تطالب بالمراجعة والبحث عن الأسباب.

فالإنسان في لحظات الخوف لا يبحث دائمًا عن الحقيقة المعقدة، بل قد يبحث عن إجابة تمنحه شعورًا بالأمان، وعندما تصبح رواية معينة مرتبطة بالخلاص والحماية والانتماء، فإن مخالفتها قد تبدو للبعض وكأنها خروج عن الجماعة نفسها، وليس مجرد اختلاف في الرأي.

📰
المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من راية اف ام

شارك هذه المقالة

💬 التعليقات (0)