في غزة ، لا تقاس الحرب بعدد الأيام التي مضت، بل بعدد الحيوات التي أُجبرت على الانتظار. انتظار وقف إطلاق النار، وانتظار رغيف الخبز، وانتظار مياه الشرب الشحيحة، وانتظار الدواء والعلاج والسفر، وانتظار عودة الكهرباء التي غابت طويلاً، وانتظار العودة إلى بيت لم يعد قائماً إلا في الذاكرة، وانتظار خبر لا يحمل اسم شهيد جديد. هنا، لم يعد الزمن مجرد إطار للأحداث، بل أصبح جزءاً من الحرب نفسها، سلاحاً يُستخدم لإطالة المعاناة، واستنزاف المجتمع، وفرض وقائع جديدة على الأرض، فيما تبقى الحياة الفلسطينية مؤجلة إلى موعد لا يعرفه أحد.
وفي غزة، لم يعد السؤال: هل سنموت؟ بل متى وأين، وهل ستكون النجاة اليوم أيضًا مجرد صدفة؟
نعيش كما لو أننا نشارك في لعبة “الروليت الروسي”. صاروخ قد يسقط في أي شارع أو منزل أو سيارة، والنجاة تصبح مسألة حظ لا أكثر. لا أحد يعرف متى يأتي دوره، ولذلك يصبح مجرد الخروج من المنزل مخاطرة يومية. لكن الخوف من الموت ليس وحده ما يثقل الحياة. هناك القهر، والقهر في غزة ليس مجرد شعور عابر، بل أصبح نمط حياة يومياً. هو الإحساس الدائم بالعجز واليأس والإحباط وقلة الحيلة، حين تدرك أن حياتك ومستقبل أطفالك وكل تفاصيل يومك مرهونة بقرارات لا تملك التأثير فيها.
والأصعب من وصف القهر هو وصف الخوف. ذلك الخوف الذي يجعلك تحسب الطريق الذي ستسلكه، والشارع الذي ستعبره، والمنطقة التي ستذهب إليها، والوقت الذي يجب أن يعود فيه أطفالك إلى البيت. نوصي أبناءنا، ونوصي أنفسنا، ألا نطيل البقاء خارج المنزل، وكأن البيت أكثر أماناً، مع أننا نعرف أن الموت قد يصل إليه أيضاً.
ورغم كل ذلك، يواصل الناس حياتهم. يبحثون عن الطعام والماء والدواء، ويحاولون أن يمنحوا أبناءهم شيئاً من الحياة وسط هذا الخراب. ليس لأنهم اعتادوا الحرب، بل لأنهم لا يملكون خياراً آخر.
ومنذ بداية الحرب، يعيش الفلسطينيون على إيقاع تصريحات متكررة عن "تقدم" في المفاوضات، و"أجواء إيجابية" و”انفراجة وشيكة”، ثم تتبدد هذه الوعود مع كل جولة جديدة، عندما تضيف إسرائيل شروطاً أخرى، أو تتراجع عن تفاهمات سابقة، أو ترفض الانتقال إلى الخطوة التالية. ومع تكرار هذا المشهد، لم يعد الإفراط في التفاؤل يبعث على الأمل، بل أصبح، بالنسبة لكثيرين، مصدرًا إضافياً للإحباط.
💬 التعليقات (0)