في مياه بحيرة ملاوي في شرق أفريقيا، وهي واحدة من أعمق بحيرات العالم، تبدأ كائنات صغيرة، لا يتجاوز طولها بضعة مليمترات، رحلة هروب لا يراها أحد نحو الأعماق. هناك، عند أكثر من 200 متر تحت السطح، تختبئ في منطقة مظلمة وفقيرة بالأكسجين، لا تستطيع معظم الأسماك مطاردتها فيها.
هذه الكائنات هي يرقات ذبابة بحيرية تُعرف باسم "ذباب البحيرة الشبح" وتكشف دراسة جديدة نُشرت يوم 23 يوليو/تموز في دورية "ساينس" أن هذه اليرقات تمتلك حيلة مدهشة للبقاء: أكياسا هوائية داخل أجسامها قادرة على مقاومة ضغط الماء الشديد، وتساعدها على تنظيم الطفو أثناء هجرتها اليومية بين السطح والعمق.
تعيش هذه اليرقات وسط بيئة مليئة بالأسماك المفترسة، ولكي تتجنب الافتراس نهارا، تقوم بهجرة رأسية يومية: تصعد ليلا إلى المياه الضحلة لتتغذى على العوالق، ثم تهبط مع الفجر إلى طبقات عميقة شبه خالية من الأكسجين. ولمراقبة هذه الرحلة اليومية، استخدم باحثون أجهزة سونار متعددة الترددات لمراقبة حركة اليرقات والأسماك قرب خليج نخاتا في ملاوي.
يقول المؤلف الرئيسي للدراسة، إيفان ماكنزي، طالب الدكتوراه في علم الحيوان في جامعة بريتش كولومبيا الكندية، إن القياسات أظهرت أن طبقات اليرقات وصلت إلى عمق أقصاه 258.6 مترا، وأن متوسط وجودها النهاري كان عند نحو 214 مترا. في المقابل، كانت الأسماك تتركز غالبا أعلى من ذلك؛ إذ وقع 99% من رصد الأسماك فوق عمق يقارب 190 مترا.
ويشرح إيفان هذه العملية للجزيرة نت: "تهبط اليرقات إلى منطقة لا تفضلها الأسماك ولا تتحملها طويلا. فالأعماق تمنحها ملجأ نهاريا آمنا نسبيا، بينما يمنحها السطح فرصة التغذية ليلا. إنها موازنة دقيقة بين الجوع والخطر: تصعد عندما يقل خطر الافتراس، وتهبط عندما يصبح الضوء في صالح الأسماك".
يكمن السر في زوجين من الأكياس الهوائية داخل جسم اليرقة، مشتقة من الجهاز التنفسي للحشرات، لكنها لا تستخدم هنا للتنفس بالطريقة المعتادة. فاليرقات تتنفس عبر الجلد، أما الأكياس فتعمل كأعضاء طفو تساعدها على التحكم في مكانها داخل عمود الماء، وفقا للباحث الرئيسي للدراسة.
💬 التعليقات (0)