في الحروب الكبرى، لا تكون اللحظة الأكثر دموية بالضرورة هي اللحظة الأبعد عن السلام، بل قد تكون أحيانًا المقدمة التي تسبق ولادة تسوية جديدة. هذا ما تعلمه تجارب التاريخ، من البلقان إلى أيرلندا الشمالية، ومن أفغانستان إلى العراق. فحين تصل المعارك إلى مرحلة الاستنزاف، يبدأ السياسيون بالبحث عن مخارج، بينما يحاول العسكريون تحسين مواقعهم على الأرض قبل أن تفرض السياسة كلمتها.
و غزة اليوم تبدو وكأنها تقف عند هذه العتبة الحساسة؛ بين استمرار حرب مفتوحة، واحتمال انتقال تدريجي نحو مرحلة جديدة عنوانها: من يدير غزة بعد توقف القتال؟
من يراقب المشهد من زاوية النار والدمار فقط، قد يعتقد أن الحرب ما زالت تسير في اتجاه التصعيد. فعمليات الاغتيال مستمرة، والضغط العسكري يتواصل، والضفة الغربية تشهد تصعيدًا متزايدًا مع تغول اعتداءات المستوطنين. لكن من يقرأ ما يجري خلف خطوط المواجهة، يلحظ أن المشهد بات يتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة، ليصبح جزءًا من معركة سياسية واسعة حول شكل المنطقة بعد الحرب.
لم يعد السؤال فقط: كيف تنتهي المعركة؟ بل أصبح: من سيرسم ملامح اليوم التالي؟
فالتزامن بين زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن، واستمرار الاتصالات الدولية والإقليمية، وتوجه وفد حركة حماس إلى القاهرة لاستكمال المفاوضات، إلى جانب الحديث عن ترتيبات تتعلق بإدارة قطاع غزة وقوة استقرار دولية، يشير إلى أن هناك مسارًا سياسيًا يتحرك بالتوازي مع مسار النار.
إسرائيل، رغم خطابها المتشدد ورفضها تقديم صورة الطرف الذي يغادر الميدان، تدرك أن الحرب مهما طالت لا يمكن أن تنتج وحدها واقعًا سياسيًا مستقرًا. لذلك تسعى إلى تعزيز أوراقها التفاوضية عبر استمرار الضغط العسكري، بينما تحاول الأطراف الأخرى منع تحويل القوة العسكرية إلى وقائع سياسية دائمة على الأرض.
💬 التعليقات (0)