إن خلاصة هذا المقال تتمثل في أن الشعب الفلسطيني، في غزة والضفة الغربية والقدس والداخل الفلسطيني والشتات، ما زال يثبت قدرة استثنائية على الصمود والتمسك بأرضه وحقوقه، رغم أنه يواجه أخطر مرحلة في تاريخه المعاصر. فهو يتعرض لحرب مفتوحة تشمل الإبادة الجماعية والتهجير القسري والتطهير العرقي، بالتوازي مع تسارع الاستيطان والضم، في إطار مشروع إسرائيلي يستهدف حسم الصراع عبر فرض الوقائع بالقوة وإنهاء القضية الفلسطينية.
وفي ظل هذا الواقع، لا تبدو الظروف الموضوعية مهيأة لاندلاع انتفاضة شاملة أو تصعيد واسع، رغم ما تروجه الأوساط الإسرائيلية حول ذلك لتبرير استمرار حشد قوات الاحتلال، وتصعيد القمع، وارتكاب المزيد من الجرائم بحق الفلسطينيين.
وعليه، فإن الأولوية الوطنية الملحة تتمثل في توفير كل مقومات الصمود والبقاء للشعب الفلسطيني، وتعزيز قدرته على الثبات في أرضه، وتشكيل لجان حماية شعبية للدفاع عن النفس وحماية المواطنين، بمشاركة جميع القوى والفعاليات من دون استثناء، وذلك في إطار بلورة رؤية وطنية جامعة، واستراتيجية كفاحية شاملة، وقيادة وطنية موحدة قادرة على إدارة المرحلة ومواجهة التحديات المصيرية.
استجدّ أخيراً، وتحديداً بعد اقتحام مجموعة من المستوطنين قرية تل في الضفة الغربية، وما أدّى إليه هذا من استشهاد أربعة فلسطينيين ومقتل جنديين إسرائيليين، بعدما تمكن أحد أبناء القرية من انتزاع سلاح أحد المعتدين وإطلاق النار، تطورٌ خطيرٌ لا يمكن النظر إليه حدثاً منفصلاً عن السياق العام لما يجري في الضفة الغربية.
فما يحدث اليوم امتداد لسياسات واعتداءات بدأت منذ تشكيل الحكومة الإسرائيلية الحالية قبل أربع سنوات، التي نص برنامجها على ضم الضفة الغربية، مع ترك مسألة توقيت إعلان الضم لرئيس الحكومة وفقاً لتقديراته المتعلقة بتأثير هذا في علاقات إسرائيل الدولية. كما تبنت الحكومة عمليّاً، وإن لم تذكر هذا صراحة، ما يُعرف بـ"خطة حسم الصراع"، التي تقوم على مصادرة أكبر مساحة ممكنة من الأراضي الفلسطينية، وتهويدها واستيطانها، وطرد أكبر عدد ممكن من السكان الفلسطينيين.
وقد وجدت حكومة نتنياهو، التي تضم سموتريتش وبن غفير، في أحداث 7 أكتوبر (2023) فرصة مثالية لتطبيق برنامجها، فشنت حرب إبادة وتهجير واحتلال في قطاع غزّة، وفي الوقت نفسه واصلت في الضفة الغربية، وصعّدت بشكل مكثف سياسة الضم الفعلي والقضم التدريجي للأرض، والطرد المنهجي للسكان، وفرض الوقائع التي تمهّد لإعلان السيادة الإسرائيلية. وتتحدّث الأرقام عن نفسها؛ إذ أقرّت الحكومة الإسرائيلية خلال هذا العام بناء عشرة آلاف وحدة استيطانية، وضاعفت موازنة الاستيطان مرّات، وسلّحت المستوطنين بعشرات آلاف قطع السلاح، وأطلقت أيديهم في الاعتداء على الفلسطينيين وإطلاق النار عليهم، وأصبحت اعتداءات المستوطنين وجنود الاحتلال خبراً يومياً مألوفاً.
💬 التعليقات (0)