بات المواطن في الضفة الغربية يحتاج، قبل أن يخرج من بيته صباحًا، أن يتابع أكثر من مصدر معلومات: أي الحواجز مفتوحة اليوم، وأي محطة وقود ما زال فيها بنزين، ومتى سينزل نصف الراتب. هذا وصف دقيق لواقع تكرر خلال الأسابيع الماضية: طوابير أمام المحطات، محطات مغلقة بعد نفاد كمياتها، ونقص موازٍ في غاز الطهي طال كل بيت تقريبًا. السؤال الأهم ليس فقط "متى تنتهي الأزمة"، بل: هل نحن أمام تحدٍّ جديد، أم أمام عرض أحدث لمرض اقتصادي بات مزمنًا؟
قبل أن تتصدر أزمة البنزين عناوين الصيف، ضربت أزمة مماثلة قطاعًا موازيًا: ففي كانون الثاني/يناير 2026، شهدت الضفة أزمة حادة في غاز الطهي، نتيجة طقس بارد رفع الاستهلاك، تراجع بالتوريد الإسرائيلي، وتهافت المواطنين بدافع الذعر وتوقعات حرب إقليمية. هذا يعني أن الأزمة الحالية حلقة ثانية من نمط متكرر: نقص مفاجئ، ذعر يفاقمه، تطمينات رسمية، دون معالجة جذرية تمنع تكراره.
تزامنت الأزمة الأخيرة مع اضطرابات إقليمية واسعة على خلفية التصعيد الأمريكي-الإسرائيلي على إيران، أثّرت في أسواق الطاقة العالمية. وأرجعت الجهات الفلسطينية النقص إلى عوامل متداخلة: انخفاض الكميات الواردة، القيود الإسرائيلية، تكدس الشيكل، وارتفاع الطلب مع اندفاع المواطنين نحو التخزين، وهو ذعر استهلاكي فاقم الأزمة. وأعلنت الهيئة العامة للبترول لاحقًا استئناف التوريد بمعدل نحو ثلاثة ملايين لتر يوميًا.
الأسباب اللحظية لا تفسر وحدها تكرار هذا النمط. فالقطاع يعاني هشاشة بنيوية معروفة: اعتماد شبه كامل على إسرائيل كمصدر وحيد، يجعل السوق عرضة لأي قرار سياسي أو خلل لوجستي. والأخطر أن قانونًا صدر عام 2023 يُلزم بإنشاء مخزون استراتيجي وطني، لكن هذا النص لم يُترجم عمليًا إلى مخزون فعلي.
وهنا يبرز سؤال أولي كان يجب أن يُحسم قبل أي نقاش آخر: كم يبلغ الاحتياج اليومي الفعلي للسوق الفلسطينية، وكم يصلها فعلًا؟ فبين تقدير بحثي عن احتياج يومي نحو 4 مليون لتر، وتصريح رسمي عن معدل توريد "طبيعي" 3 مليون لتر، ثم تراجع مؤقت ليوم واحد إلى مليون لتر إثر حادث سير، تتبدل الأرقام من مصدر لآخر دون خط أساس واضح. والأغرب أن جهات إعلامية وثّقت أن الهيئة نفسها رفضت التصريح باسمها علنًا حول دقة رقم الـ3 مليون، بينما "الوقائع الميدانية تنفيه" بحسب تعبيرها. فهل الفجوة عجز حقيقي؟ أم يسدّ جزءًا منها تهريب لا إجماع حتى على حجمه؟ حتى المختصون منقسمون: من يربط الأزمة بتكدس الشيكل، ومن يرفض هذا الربط مستندًا إلى أن أزمة السيولة قائمة منذ سنوات دون أن تعطّل القطاع سابقًا. حين يعجز الخبراء عن الاتفاق على تشخيص واحد، يصبح السؤال الحقيقي: أين المؤسسة الرسمية القادرة على ضبط هذه الأرقام ونشرها بشفافية؟
يعتقد كثيرون أن بروتوكول باريس (1994) يحظر استيراد المحروقات من مصادر غير إسرائيلية، وهذا غير دقيق. فالاتفاقية تسمح من حيث المبدأ باستيراد البنزين من مصر مثلًا، شريطة مطابقته لمواصفات فنية محددة. المشكلة العملية ثلاثة عوائق: مواصفات موضوعة وفق ظروف إسرائيل الجغرافية تمنحها سلطة تقديرية على قبول أي شحنة بديلة؛ مرور الاستيراد عبر معابر تسيطر عليها إسرائيل تشغيليًا؛ وغياب بنية تحتية فلسطينية، وتحديدًا خزانات قادرة على استقبال شحنات من مصر أو الأردن مباشرة.
💬 التعليقات (0)