في السياسة، لا تتحرك القوى الفاعلة دائماً بدافع المبادئ المجردة وحدها، بل كثيراً ما تتأثر بحسابات البقاء، والخوف من التهميش، والسعي إلى الحفاظ على المكانة، أو البحث عن مكان يضمن استمرار النفوذ والتأثير. وفي التجربة الفلسطينية، تبدو العلاقة بين المكانة والمكان واحدة من أكثر العلاقات تعقيداً وتأثيراً في صناعة القرار السياسي.
كان الراحل بشير البرغوثي، الأمين العام للحزب الشيوعي الفلسطيني (حزب الشعب لاحقاً)، يقدم تفسيراً لجوهر التحول الذي قاد قيادة منظمة التحرير الفلسطينية إلى فتح قناة تفاوض سرية انتهت بالتوقيع على اتفاق أوسلو، رغم أن المسار التفاوضي الرسمي في مدريد كان قائماً بقيادة الدكتور حيدر عبد الشافي، ومتمسكاً بمطلب وقف الاستيطان قبل الانتقال إلى أي تسوية سياسية.
لم يكن البرغوثي ينكر حجم الضغوط الدولية والإقليمية التي تعرضت لها قيادة المنظمة بعد الخروج من بيروت عام 1982، ولا حالة الحصار المالي والسياسي الخانقة التي عاشتها، وإغلاق عواصم عربية عديدة أبوابها أمامها، والتهديد بعدم توفير المأوى لقيادتها ولآلاف المقاتلين الذين غادروا بيروت منهكين. لكنه كان يضيف عاملاً آخر لا يقل أهمية، يتمثل في الخشية من أن تؤدي الانتفاضة الفلسطينية إلى نشوء مركز قيادة سياسي داخل الأرض المحتلة، بما يهدد الموقع التاريخي لمنظمة التحرير وقيادتها.
من هنا، كان يرى أن القيادة ذهبت إلى أوسلو مدفوعة ليس فقط بالبحث عن حل سياسي، وإنما أيضاً بالرغبة في الجمع بين الحفاظ على المكانة والحصول على المكان. فقد أعاد الاتفاق قيادة المنظمة إلى الداخل، ومنحها سلطة على جزء من الأرض الفلسطينية، فأصبحت تمتلك الجغرافيا إلى جانب الشرعية السياسية، حتى وإن كان ذلك ضمن القيود التي فرضها الاحتلال والاتفاق نفسه.
هذه القراءة، سواء اتفق المرء معها أم اختلف، تطرح سؤالاً لا يزال صالحاً اليوم: هل يعيد التاريخ الفلسطيني إنتاج نفسه؟
إذا تأملنا المشهد الراهن، نجد أن حركة حماس ، وهي تخوض مفاوضات معقدة حول مستقبل قطاع غزة ، لا تفاوض فقط على وقف إطلاق النار، والانسحاب من القطاع، وإعادة الإعمار، بل تفاوض أيضاً على موقعها في النظام السياسي الفلسطيني بعد الحرب. فهي تدرك أن نهاية الحرب قد تعني نهاية سيطرتها على القطاع، ولذلك تخوض معركة سياسية هدفها ألا تتحول نتائج الحرب، بكل ما حملته من دمار وتضحيات، إلى إقصاء كامل لها من معادلة الحكم. ومن هنا يمكن فهم كثير من مواقفها ومناوراتها بوصفها سعياً للحفاظ على مكانتها، وتأمين موقع لها في ترتيبات اليوم التالي، حتى وإن أدى ذلك إلى إطالة أمد التفاوض، أو إلى تحميل المجتمع الفلسطيني أثماناً باهظة يختلف الفلسطينيون في تقدير ضرورتها وجدواها.
💬 التعليقات (0)