يأتي كتاب الباحث نجيب جورج عوض 'من كتاب الاستشراق إلى ما بعد-الكولونيالية' كدراسة نقدية معمقة تسعى لسبر أغوار التحولات الفكرية التي طرأت على حقل الدراسات الثقافية. الصادر عن دار مؤمنون بلا حدود في طبعته الأولى لعام 2025، يقع الكتاب في 384 صفحة، محاولاً تفكيك العلاقة الجدلية بين أطروحات إدوارد سعيد وتطور نظرية ما بعد الكولونيالية.
يرى المؤلف أن مفهوم ما بعد الكولونيالية نشأ كحقل معرفي جديد في رحم ما بعد الحداثة، والتي مثلت بدورها ثورة ضد المركزية الأوروبية والعقلانية الصارمة. وقد اعتبرت هذه النظرية خطاب عصر الأنوار الغربي خطاباً استبدادياً يتستر خلف قناع العلموية، مما استدعى إعادة النظر في كافة المفاهيم التي أنتجتها الحداثة الغربية.
يستعرض الكتاب الجذور الفلسفية لهذا التحول، بدءاً من نيتشه وصولاً إلى جان فرنسوا ليوتار الذي رسخ مفهوم ما بعد الحداثة كخطاب كوني. وانطلاقاً من هذا السياق، تبلورت دراسات ما بعد الكولونيالية كأداة أكاديمية لتحليل الإرث الثقافي والإمبريالي الغربي ونتائجه الاجتماعية على الشعوب المستعمرة.
لا يكتفي عوض برصد التاريخ، بل يغوص في استراتيجيات التفسير التي سبقت صدور كتاب 'الاستشراق' لإدوارد سعيد، مشيراً إلى إسهامات طلال أسد وأنور عبد الملك. كما يمضي الكتاب قدماً لتحليل مرحلة ما بعد سعيد، وكيف وظف باحثون مثل حومي بابا وغياتري سبيفاك هذه الأطروحات لتأسيس حقل أكاديمي مستقل.
يطرح الكتاب تساؤلاً مركزياً حول مصداقية حقل دراسات ما بعد الكولونيالية في الجامعات الغربية، وما إذا كان يساهم في تطوير التفكير العلمي أم يقدم 'علماً منحولاً'. ويناقش المؤلف كيف تم تحويل فكر سعيد أحياناً إلى قوالب جاهزة، أو اتهامه من قبل باحثين مثل وائل حلاق بأنه لم يكن راديكالياً بما يكفي.
يعرّف البحث نظرية ما بعد الكولونيالية بوصفها مجالاً نقدياً يهتم بدراسة التأثيرات الثقافية للاستعمار وطرق مقاومته. فقبل الثمانينيات، كانت هذه الدراسات محصورة في العلوم السياسية وحركات التحرر الوطني، لكنها تحولت لاحقاً إلى منهج استراتيجي للتفكير يتجاوز مجرد رصد الوقائع التاريخية.
💬 التعليقات (0)