وسط موجات حر قياسية تضرب الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، تكشف حرائق الغابات المتكررة في تونس والجزائر عن واقع مناخي جديد، يرى خبراء أنه يتجاوز الظرفية الموسمية، ويستدعي الانتقال من منطق إخماد النيران إلى إدارة مخاطرها والوقاية منها.
في غضون أيام قليلة، التهمت الحرائق مساحات واسعة من الغابات والأراضي الزراعية في تونس والجزائر، في مشهد يتكرر كل صيف لكنه يبدو هذا العام أكثر حدة واتساعا، وبينما استنفرت السلطات مختلف أجهزتها المدنية والعسكرية لإخماد النيران وإجلاء السكان من المناطق المهددة، عاد النقاش حول ما إذا كانت منطقة المغرب العربي قد دخلت مرحلة جديدة أصبحت فيها حرائق الغابات جزءا من الواقع السنوي بفعل التغيرات المناخية المتسارعة.
وتأتي هذه الحرائق في سياق موجة حر شديدة تضرب حوض البحر الأبيض المتوسط، حيث تزامنت درجات الحرارة المرتفعة مع الجفاف وهبوب الرياح، وهي ظروف توفر بيئة مثالية لاشتعال الغطاء النباتي وانتشار النيران بسرعة. ولا تتوقف آثار هذه الحرائق عند حدود الخسائر البشرية والمادية، بل تمتد إلى النظم البيئية التي تحتاج سنوات طويلة لاستعادة توازنها، فضلا عن انبعاث كميات كبيرة من الغازات الدفيئة التي تزيد من تفاقم ظاهرة الاحترار العالمي.
يرى الأستاذ إبراهيم الجزيري، أستاذ الجغرافيا بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة تونس، أن حرائق الغابات في تونس والجزائر لم تعد مجرد حوادث موسمية مرتبطة بارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف، بل أصبحت مؤشرا بيئيا يعكس التحولات المناخية العميقة التي تعرفها الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، وما يرافقها من تغيرات في الأنظمة البيئية وأنماط استغلال المجال.
ويضيف أن الغابات المتوسطية في البلدين تمثل خزانا للتنوع البيولوجي ومصدرا لعدد من الخدمات البيئية، من حماية التربة والموارد المائية إلى تخزين الكربون والمحافظة على التوازنات الإيكولوجية، غير أن تكرار الحرائق واتساع رقعتها باتا يهددان الأمن البيئي والاقتصادي والاجتماعي للمناطق الريفية التي تعتمد بشكل مباشر أو غير مباشر على الموارد الغابية.
ويشير إلى أن وفرة الغطاء النباتي، التي تعد في الظروف العادية عاملا إيجابيا، تتحول خلال فصل الصيف إلى عنصر هشاشة، إذ تؤدي الأمطار الشتوية والربيعية إلى نمو كثيف للأعشاب والشجيرات، لكنها تصبح مع ارتفاع درجات الحرارة وطول فترات الجفاف وقودا طبيعيا سريع الاشتعال. كما أن طبيعة الغطاء النباتي المتوسطي، الذي يضم أنواعا مثل الصنوبر الحلبي والصنوبر البحري والكاليتوس والعرعار، تزيد من قابلية الغابات للاحتراق.
💬 التعليقات (0)