تمر اليوم خمس سنوات على الإجراءات الدراماتيكية التي أعلنها الرئيس التونسي قيس سعيّد في الخامس والعشرين من يوليو 2021، وهي الفترة التي شهدت تحولاً جذرياً في بنية الدولة التونسية. لم تعد البلاد تعيش تحت وطأة 'المرحلة الاستثنائية' بمفهومها المؤقت، بل استقرت ضمن نظام سياسي ودستوري جديد أطاح بموازين القوى التي أفرزتها ثورة 2011.
انطلقت شرارة هذا المسار في ليلة اتسمت بأزمات سياسية وصحية واقتصادية خانقة، حيث استند سعيّد إلى الفصل 80 من دستور 2014 ليعلن تجميد البرلمان ورفع الحصانة عن أعضائه. جاءت هذه الخطوة في وقت كانت فيه المؤسسات التونسية تعاني من شلل تام وصراعات محتدمة بين رئاسات الجمهورية والحكومة والبرلمان، تزامناً مع غضب شعبي واسع.
توسعت الصلاحيات الرئاسية تدريجياً عبر سلسلة من الأوامر، أبرزها الأمر رقم 117 الذي منح الرئيس سلطة التشريع المطلقة عبر المراسيم. هذا المسار أدى في نهاية المطاف إلى حل البرلمان رسمياً في مارس 2022، بعد محاولة فاشلة من النواب لعقد جلسة افتراضية تحدت قرارات الرئاسة، مما عمق الفجوة بين السلطة والمعارضة.
شكل دستور 2022 المحطة الأبرز في هذا التحول، حيث نقل تونس من النظام شبه البرلماني إلى نظام رئاسي معزز يمنح الرئيس سلطة تعيين الحكومة وإدارتها بشكل مباشر. وبموجب هذا الدستور، تراجعت قدرة البرلمان على الرقابة أو سحب الثقة، مما جعل السلطة التنفيذية هي المركز المحرك والوحيد للقرار السياسي في البلاد.
لم يكتفِ النظام الجديد بتغيير الدستور، بل أعاد صياغة المشهد التشريعي عبر قانون انتخابي يعتمد الاقتراع على الأفراد بدلاً من القوائم الحزبية. هذا التوجه أضعف دور الأحزاب السياسية التقليدية، ومهد الطريق لإنشاء 'المجلس الوطني للجهات والأقاليم' كغرفة ثانية تهدف لتطبيق رؤية الرئيس فيما يعرف بـ 'البناء القاعدي'.
أكدت الانتخابات الرئاسية التي جرت في أكتوبر 2024 استمرارية هذا النهج، حيث فاز قيس سعيّد بولاية ثانية في ظل مقاطعة واسعة من أطياف المعارضة. ورغم تأكيد السلطات على نزاهة العملية الانتخابية، إلا أن الجدل ظل قائماً حول شروط الترشح واستبعاد عدد من المنافسين البارزين من السباق الانتخابي.
💬 التعليقات (0)