الدكتور رائد الجلاد: رئيس مركز القدس نقابة أطباء الأسنان الأردنية
أتقدم بدايةً إلى بناتنا وأبنائنا الناجحين في امتحان شهادة الثانوية العامة (التوجيهي)، وإلى ذويهم، بأصدق التهاني والتبريكات، متمنياً لهم مستقبلاً زاهراً، ولشعبنا الفلسطيني الحرية والكرامة والسلام. ومع بدء الطلبة رحلة اختيار تخصصاتهم الجامعية، يراود معظمهم حلم مشروع يتمثل في الحصول على تعليم نوعي يقود إلى فرصة عمل كريمة ومستقبل مستقر. غير أن هذا الحلم يصطدم اليوم بواقع اقتصادي وتعليمي يفرض علينا إعادة النظر في فلسفة التعليم وسياساته، بما يحقق التوازن بين طموحات الشباب واحتياجات سوق العمل.
لقد اتسعت الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل في فلسطين بصورة مقلقة، حتى أصبحت إحدى أبرز القضايا الاقتصادية والاجتماعية التي تستوجب المعالجة العاجلة. ويعود ذلك إلى عوامل متداخلة، في مقدمتها التوسع الكبير في القبول الجامعي في عدد من التخصصات، مثل الطب وطب الأسنان والهندسة والحقوق والصيدلة وعلوم الحاسوب، دون أن يقابله نمو مماثل في قدرة الاقتصاد الوطني على استيعاب هذه الأعداد من الخريجين.
وزادت هذه الفجوة اتساعاً نتيجة التراجع المستمر في الأداء الاقتصادي والإنتاجي، بفعل سياسات الاحتلال وما يفرضه من قيود على الاقتصاد الفلسطيني، إلى جانب تداعيات الأزمات الإقليمية والعالمية التي أثرت في الاستثمار والإنتاج وفرص العمل. وأمام هذا الواقع، بات القطاعان العام والخاص عاجزين عن استيعاب الأعداد المتزايدة من الخريجين، الأمر الذي انعكس مباشرة على معدلات البطالة، ومستويات الدخل، والاستقرار الاجتماعي.
وتشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى حجم هذا التحدي؛ إذ بلغ معدل البطالة بين حملة الدبلوم المتوسط فأعلى في الضفة الغربية نحو 23.3% خلال الربع الأخير من عام 2025، مع تفاوت واضح بين التخصصات. فقد وصلت البطالة بين خريجي الفنون والعلوم الإنسانية إلى 40.1%، وبين خريجي الخدمات الشخصية إلى 36.5%، وبين خريجي خدمات الرفاه إلى 33.8%، في حين انخفضت إلى 14.2% بين خريجي الهندسة والحرف الهندسية، و15.5% بين خريجي الصناعات التحويلية، و18.8% بين خريجي التخصصات الصحية.
ولا تعكس هذه الأرقام أزمة بطالة فحسب، بل تكشف عن خلل هيكلي في التخطيط للتعليم العالي. فالكثير من الخريجين يجدون أنفسهم مضطرين للعمل في مهن لا تمت بصلة إلى تخصصاتهم، أو البقاء دون عمل لسنوات طويلة، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع القوة الشرائية، وعدم قدرة معظم المؤسسات على تحسين الأجور بسبب ضعف النمو الاقتصادي. وقد أدى ذلك إلى تراجع مستوى المعيشة، وتصاعد رغبة أعداد متزايدة من الشباب في الهجرة بحثاً عن فرص أفضل، وهو ما يمثل استنزافاً خطيراً لرأس المال البشري الفلسطيني.
💬 التعليقات (0)