قد تكون كتابة المشاعر أخف وطأة من البوح بها أمام معالج نفسي يحتاج منا ساعة إلا قليلا لنحدد له ما يؤلم دواخلنا، لذلك وجد ملايين في نماذج الذكاء الاصطناعي ملجأ للبوح المجاني، من دون قوائم انتظار، ومطمئنين لعدم وصمهم اجتماعيا بمرضهم النفسي، لكن هل يمكن أن نحقق تقدما في حياتنا الخاصة مع الذكاء الاصطناعي أم أنه مهدئ مؤقت لألمنا النفسي؟
نشر علماء الحاسوب في جامعة "براون"، في العام الماضي، نتائج دراسة أجروها بالتعاون مع أخصائيين نفسيين لمراجعة محادثات علاجية مع نماذج الدردشة الذكية. ووجد الباحثون أن نماذج الدردشة، وإن طلب منها المستخدم صراحة أن تستعين بمناهج علمية قائمة على الأدلة، فإنها تنتهك المعايير الأخلاقية التي وضعتها هيئات مثل الجمعية الأمريكية للطب النفسي (APA)، فتقدم ردودا مضللة تعزز معتقدات المستخدمين السلبية عن أنفسهم والآخرين، وتخلق شعورا زائفا بالتعاطف مع المستخدمين، وتمارس تمييزا جنسيا وعرقيا ودينيا. كما ثبت فشلها في مد المستخدمين بمعلومات عن أي وسائل مساعدة في الأزمات، مثل ظهور أفكار انتحارية، واستجابتها لأزماتهم بلا مبالاة.
وقد كشفت نتائج اختبارات اتحاد المستهلكين الأمريكيين لخمسة نماذج دردشة مطورة لتقديم الدعم النفسي، أن النماذج قدمت نصائح خطرة، مثل كيفية التوقف التدريجي عن تناول مضادات الاكتئاب، وأن إجراءات السلامة، التي يُفترض أن تلتزم بها، تضعف مع طول المحادثة لتأثرها الشديد بمدخلات المستخدم، فضلا عن أن النماذج الخمسة ادعت كذبا أن المحادثات سرية.
لذلك نهت الجمعية الأمريكية للطب النفسي (APA) صراحة عن اعتماد نماذج الذكاء الاصطناعي بديلا عن الطبيب النفسي، لأن العلاقة بين المريض ومعالجه هي أحد أهم المؤشرات الموثوقة على نجاح العلاج، أما العلاقة مع أنظمة الذكاء الاصطناعي فهي أحادية الجانب، وإن ظن المستخدم عكس ذلك.
هذا عدا عن أن نموذج الدردشة لا يمكنه ملاحظة الأدلة الجسدية أو السلوكية أثناء حديثك، وذلك شق يحتاجه الطبيب لتمام التقييم. وما يزيد الأمر سوءا، أن روبوتات الدردشة مصممة لتملق المستخدم، في حين يقوم عمل المعالج على تقديم الدعم وتحدي أفكار المريض المغلوطة في آن واحد، خدمة لمصلحة المريض الفعلية.
وحذرت الجمعية في بيانها الصادر في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، من أن تلك النماذج، وإن كانت مطورة بالاستناد إلى أفضل الممارسات العلاجية المحكمة، إلا أنها ليست فعالة أو آمنة للاستخدام في مجال الرعاية النفسية.
💬 التعليقات (0)