الأفكار التي تؤثر في المجتمعات ليست بالضرورة وليدة حقائق علمية أو قوانين تاريخية ثابتة، فبعضها ينشأ من الذاكرة الجماعية والقراءات الرمزية للتاريخ، ثم يتحول مع مرور الزمن إلى عنصر حاضر في طريقة فهم الشعوب لماضيها وحاضرها ومستقبلها، وقد لا تكون هذه الأفكار قابلة للقياس بمعايير العلم الصارمة، لكنها تصبح مؤثرة عندما تدخل في تشكيل الوعي الجمعي وتؤثر في طريقة قراءة الأحداث وتفسير التحولات.
ومن بين هذه الأفكار التي ظهرت في بعض النقاشات الإسرائيلية ما يُعرف بـ"لعنة العقد الثامن". وهي ليست نبوءة دينية ملزمة، ولا قانونًا تاريخيًا يحدد أعمار الدول أو يرسم نهاياتها، وإنما فرضية رمزية تستند إلى قراءات تاريخية وقلق متجذر حول قدرة الكيانات المصطنعة المرتبطة بالديانة اليهودية على تجاوز أزماتها والحفاظ على استمراريتها لأكثر من ثمانين عامًا.
العقد الثامن ليس رقما سحريًا، بل خليط تداخل الذاكرة الدينية والتاريخية، ومن بعض القراءات التي ربطت مراحل زمنية معينة في تاريخ الكيانات اليهودية بأزمات وتحولات كبرى، لكن أهمية هذه الفكرة لا تكمن في صحة الرقم أو عدم صحته، بل في حضورها داخل الوعي الجمعي، لأن المجتمعات لا تتحرك فقط وفق الوقائع المادية، بل وفق الروايات التي تصنعها عن ذاتها وعن مستقبلها.
وهنا تصبح الفكرة الرمزية جزءًا من عملية أوسع يمكن تسميتها بـ"هندسة الوعي"، حيث لا تُصنع صورة المستقبل فقط عبر القرارات السياسية والقدرات العسكرية، بل أيضًا عبر الطريقة التي يرى بها المجتمع نفسه، والأسئلة التي يحملها حول قوته وضعفه وقدرته على الاستمرار.
فإسرائيل، منذ قيامها، لم تكن مجرد كيان سياسي حديث، بل حملت مشروعًا استعماريًا جمع بين الذاكرة الدينية، والتجربة التاريخية لليهود، والرؤية القومية الحديثة، والاعتماد على القوة العسكرية والتحالفات الدولية، ولذلك فإن الاستمرارية لم ترتبط فقط بامتلاك جيش قوي أو اقتصاد متطور، بل ارتبطت بقدرة الدولة على الحفاظ على تماسكها الداخلي، وإدارة تناقضاتها، والتكيف مع بيئة إقليمية ودولية متغيرة.
فالدول لا تختبر قدرتها على البقاء عندما تكون الظروف مستقرة فقط، بل عندما تتراكم عليها الاختبارات في وقت واحد، فالقوة العسكرية وحدها لا تكفي، كما أن التحالفات الدولية وحدها لا تكفي، وإنما تكمن الاستمرارية في تحقيق توازن بين المجتمع، والمؤسسات، والاقتصاد، والجيش، والشرعية الداخلية والدولية.
💬 التعليقات (0)