لم يترك وزير الحربية السوري يوسف العظمة وثيقة صريحة تعلن خروجه لمعركة خاسرة، إلا أن سياق الأحداث التي سبقت مواجهة ميسلون يشير إلى إدراك عميق باستحالة النصر العسكري التقليدي. فقد كان العظمة ضابطاً محترفاً يدرك تماماً الفوارق الشاسعة بين القوة التي استطاع حشدها وبين ترسانة الجيش الفرنسي المتقدمة نحو دمشق.
غادر العظمة العاصمة السورية مساء الثالث والعشرين من يوليو عام 1920، متجهاً نحو ممر ميسلون الاستراتيجي ليرسم بدمه فصلاً جديداً في تاريخ المقاومة. وفي صباح اليوم التالي، خاضت قواته غير المتكافئة معركة قصيرة ضد جيش فرنسي مدجج بالدبابات والطائرات، انتهت باستشهاده وانهيار خطوط الدفاع الأمامية.
تعود جذور الأزمة إلى نهاية الحرب العالمية الأولى، حين تشكلت إدارة عربية في دمشق بقيادة الأمير فيصل بن الحسين، راهنت على وعود الحلفاء بالاستقلال. لكن هذه الطموحات اصطدمت سريعاً باتفاقيات تقسيم النفوذ بين بريطانيا وفرنسا، مما وضع الحكومة السورية الناشئة في مأزق بين المطالب الوطنية والضغوط الاستعمارية.
في الثامن من مارس 1920، أعلن المؤتمر السوري العام استقلال البلاد وتنصيب فيصل ملكاً، لتبدأ رحلة المملكة العربية السورية قصيرة العمر دون اعتراف دولي. وسرعان ما جاء الرد من مؤتمر سان ريمو الذي منح فرنسا حق الانتداب، معتبراً الدولة السورية كياناً مؤقتاً يحتاج لوصاية خارجية حتى يقوى على إدارة شؤونه.
تولى يوسف العظمة مهام وزارة الحربية ورئاسة الأركان في ظروف بالغة التعقيد، حيث حاول لملمة شتات السلاح العثماني وتنظيم الوحدات العسكرية. ومع ذلك، كان الجيش الذي بناه يفتقر للموارد المالية والغطاء السياسي الدولي، مما جعله غير قادر على خوض حرب استنزاف طويلة ضد قوة عظمى مثل فرنسا.
بلغ التوتر ذروته بصدور إنذار المفوض السامي الفرنسي هنري غورو، الذي طالب بتفكيك الجيش السوري وتسليم السيطرة على السكك الحديدية والقبول بالعملة الفرنسية. كانت هذه المطالب تمثل تجريداً كاملاً للمملكة من سيادتها، وهو ما دفع العظمة لرفض الإنذار جملة وتفصيلاً، معتبراً إياه إعلاناً لإنهاء الدولة.
💬 التعليقات (0)