لم تنتظر غزة انتهاء الحرب لتفرح. فمنذ ساعات الليل التي سبقت إعلان نتائج الثانوية العامة، ازدحمت محال الحلويات بشكل غير مسبوق، حتى نفدت أصناف كثيرة منها، فيما امتلأت الشوارع بالآباء والأمهات الذين قرروا أن ينتزعوا لحظة حياة من بين الركام. صباح إعلان النتائج، امتزجت الزغاريد بأصوات الطائرات والانفجارات. كانت لحظة مختلفة؛ مدينة تعيش حصارًا وقصفًا متواصلًا، لكنها أصرت أن تحتفي بأبنائها الذين واصلوا الدراسة وسط النزوح، والخيام، وفقدان الأحبة. حين أُعلنت نتائج الثانوية العامة، كان اسم الطالبة صبا رباح حكاية تختصر ما عاشته غزة خلال الحرب. الطالبة التي فقدت والدها، ودُمّر منزل عائلتها المكوّن من أربعة طوابق، انتزعت المركز الأول على مستوى فلسطين في الفرع العلمي بمعدل 99.9%، لتثبت أن الحرب قد تهدم البيوت، لكنها لا تستطيع هزيمة الإرادة.
لكن الفرح في غزة لم يكن كاملًا، إذ حملت قوائم الناجحين أسماء طلاب غابوا قبل أن يشاهدوا نتائجهم. من بينهم الشهيد يحيى أدهم نسمان، الذي حصل على معدل 96.6% في الثانوية العامة، بعدما استشهد قبل إعلان النتائج، ليصبح اسمه حاضرًا بين المتفوقين، بينما غاب جسده. وفي مخيم جباليا، تحولت فرحة النجاح إلى مأتم، بعدما استشهد طالب الثانوية العامة قصي أبو بيض (18 عامًا) في قصف إسرائيلي استهدف مجموعة من الأهالي قرب مستشفى اليمن السعيد. ولم تكن هذه القصص الوحيدة التي اختلط فيها النجاح بالفقد. فقد احتفل أقارب الشهيد الدكتور مازن الحسنات بنجاح ابنة شقيقه لوجين في الفرع العلمي بمعدل 88%، بينما بارك الصحفي أحمد أبو قمر لابنة شقيقته الشهيدة رباب، الطالبة راما، نجاحها بمعدل 85.3%. راما لم تفقد والدتها فقط، بل فقدت أيضًا والدها وشقيقها خلال الحرب، وأصيبت إصابة بالغة أقعدتها أشهرًا وخضعت لتثبيت قدمها بصفائح معدنية، لكنها عادت لتجلس على مقاعد الدراسة وتحقق النجاح. كانت القصص تتكرر؛ أبناء شهداء يرفعون صور آبائهم مع شهادات النجاح، وأمهات يوزعن الحلوى ودموعهن تسبق ابتساماتهن، وعائلات تحتفل أمام منازل مهدمة أو داخل خيام النزوح. هذا العام لم تكن الثانوية العامة مجرد امتحان دراسي، كانت امتحانًا للحياة نفسها. فقد جلس الطلبة إلى مقاعدهم وهم يحملون ذاكرة مثقلة بالقصف، والنزوح، والجوع، وفقدان أفراد الأسرة، ومع ذلك أصروا على مواصلة الطريق. ورغم أوامر الإخلاء المتواصلة والغارات التي لم تتوقف حتى يوم إعلان النتائج، أثبتت غزة مرة أخرى أن الحرب تستطيع أن تسرق البيوت والأحبة، لكنها تعجز عن انتزاع إرادة الحياة. ففي مدينة يطغى عليها صوت القذائف، ارتفعت الزغاريد من جديد، معلنة أن النجاح ما زال يجد طريقه إلى غزة، حتى في أكثر أيامها وجعًا.
💬 التعليقات (0)