ليست كل التقارير مجرد أخبار تُقرأ ثم تُنسى، فبعضها يتحول إلى وثيقة إدانة، ليس لأنه يحمل موقفًا سياسيًا، وإنما لأنه يكشف بالأرقام ما أصبحت العين تراه على أرض الواقع.
هذا ما شعرت به وأنا أقرأ التقرير المبني على معطيات رسمية للشرطة الإسرائيلية، والذي خلص إلى وجود تآكل تدريجي في “الوضع الراهن” التاريخي في المسجد الأقصى. ولم تكن أهمية التقرير في أنه صدر عن جهة إسرائيلية فحسب، بل في أنه يعترف، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بأن ما كان يعد قبل سنوات استثناءً أصبح اليوم واقعًا آخذًا في الترسخ ،ولم يكن ذلك جديدًا بالنسبة لي.
فمنذ أن أنهيت أطروحتي للدكتوراه بعنوان “التكييف القانوني للوضع الراهن (الستاتيكو) في المسجد الأقصى من منظور القانون الدولي العام”، وأنا أؤكد أن أخطر ما يهدد المسجد الأقصى ليس قرارًا رسميًا يعلن إلغاء الوضع الراهن، وإنما سياسة التغيير التدريجي الهادئ، التي تتقدم خطوة بعد خطوة، حتى يصبح الواقع الجديد أمرًا مألوفًا، ويغدو الاعتراض عليه وكأنه اعتراض على أمر قائم منذ زمن. أخبار ذات صلة حماس تحذر من التصعيد الخطير الذي تقوده جماعات الهيكل المتطرفة بحق الأقصى من هو الصحفي الإسرائيلي الذي أثار الجدل بظهوره على "القاهرة والناس"
لكن الفرق هذه المرة أنني لم أقرأ هذه الحقيقة في كتاب أو وثيقة، بل رأيتها بعيني خلال زيارتي الأخيرة للمسجد الأقصى لأداء صلاة الفجر.
دخلت المسجد، فإذا بالمشهد مختلف عما عرفته طوال عقود ،انتشار أمني كثيف وغير مسبوق، مئات من أفراد الشرطة في الساحات وعلى الأبواب، ودوريات وآليات تتحرك بين المصلين بصورة استفزازية، حتى يشعر المصلي أنه مراقب في كل خطوة، وأن القوة المسلحة أصبحت هي العنصر الأكثر حضورًا في المشهد.
ورأيت مصلين يُمنعون من الدخول، وآخرين يُعادون عن الأبواب، وشاهدت التضييق على حراس المسجد وموظفي دائرة الأوقاف، واعتقال بعضهم وإبعاد بعضهم الآخر، في محاولة واضحة لإضعاف الجهة التي تمثل الوصاية الإسلامية التاريخية على المسجد الأقصى.
💬 التعليقات (0)