ليست أزمة الزراعة الفلسطينية أزمة مواسم، ولا أزمة مناخ، ولا حتى أزمة تمويل. إنها، في جوهرها، أزمة سياسية واستراتيجية تعكس طبيعة الصراع على الأرض والاقتصاد والسيادة. فمنذ إنشاء السلطة الفلسطينية بعد اتفاق أوسلو، لم تتراجع الزراعة بفعل عوامل اقتصادية فقط، بل نتيجة تفاعل مركب بين سياسة إسرائيلية ممنهجة هدفت إلى تقويض مقومات الإنتاج الفلسطيني، وبين سياسات فلسطينية أخفقت في تحويل الزراعة إلى ركيزة أساسية في مشروع بناء الدولة والاقتصاد الوطني.
فالزراعة لم تكن تاريخيًا مجرد نشاط اقتصادي للفلسطينيين، بل كانت إحدى أهم أدوات التمسك بالأرض والحفاظ على العلاقة بين الإنسان والمكان. ولذلك فإن استهدافها لم يكن استهدافًا لقطاع إنتاجي فقط، بل مساسًا بأحد مقومات الوجود والصمود الوطني.
ولعل أخطر ما أفرزته المرحلة التي أعقبت أوسلو لم يكن فقط إعادة تقسيم الأرض الفلسطينية إلى مناطق (أ) و(ب) و(ج)، بل إعادة تشكيل بنية الاقتصاد الفلسطيني نفسه. فقد انتقل الاقتصاد تدريجيًا من اقتصاد يسعى إلى الإنتاج، رغم محدودية الإمكانات، إلى اقتصاد مقيد يعتمد بصورة متزايدة على الاستيراد والخدمات والمساعدات، بينما تراجعت القطاعات الإنتاجية، وفي مقدمتها الزراعة.
لقد أدركت إسرائيل مبكرًا أن السيطرة على الأرض لا تكتمل بالجدران والحواجز فقط، وإنما بإضعاف قدرة الفلسطيني على استثمار أرضه والبقاء فيها. ولذلك لم تكن السياسات الإسرائيلية تجاه القطاع الزراعي إجراءات متفرقة، بل جزءًا من مسار أوسع لإعادة تشكيل الجغرافيا والاقتصاد معًا.
فمصادرة الأراضي، والتوسع الاستيطاني، والسيطرة على الموارد المائية، وتقييد وصول المزارعين إلى أراضيهم، والتحكم في المعابر والأسواق، جعلت القطاع الزراعي يعمل داخل بيئة تفتقر إلى مقومات السيادة الاقتصادية. ولم تتوقف أدوات الضغط عند الأرض والمياه، بل امتدت إلى مختلف حلقات العملية الإنتاجية.
فالزراعة تبدأ قبل الحصاد؛ تبدأ بالبذور والأسمدة والمبيدات والمعدات والتكنولوجيا، ولا تنتهي إلا بالتصنيع والتسويق والتصدير. وفي حين يعمل القطاع الزراعي الإسرائيلي ضمن منظومة متقدمة من البحث والتطوير والرقابة والدعم التقني، يعمل المزارع الفلسطيني غالبًا في بيئة أكثر هشاشة، تتسم بارتفاع التكاليف وضعف الخدمات وتفاوت جودة بعض المدخلات الزراعية.
💬 التعليقات (0)