في الرابع عشر من نوفمبر عام 1954، شهدت مصر تحولاً دراماتيكياً في مسار الحكم، حيث غادر اللواء محمد نجيب قصر عابدين ليس كرئيس للجمهورية، بل كمعتقل سياسي نُقل إلى الإقامة الجبرية في ضاحية المرج. جاء هذا الإجراء بعد أن أبلغه عبد الحكيم عامر بقرار مجلس قيادة الثورة القاضي بإعفائه من كافة مناصبه، لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ مصر الحديث.
لم تكن عملية عزل نجيب مجرد إجراء إداري، بل كانت ذروة صراع طويل على السلطة والرؤية السياسية بينه وبين جمال عبد الناصر. فبينما كان نجيب يمثل الواجهة الشرعية والرتبة العسكرية العالية التي منحت الثورة قبولاً شعبياً، كان عبد الناصر يمثل القوة التنظيمية الفعلية والمحرك الأساسي لضباط التنظيم.
بدأت جذور العلاقة قبل الثورة حين بحث تنظيم 'الضباط الأحرار' عن شخصية عسكرية مرموقة لتصدر المشهد، ووقع الاختيار على نجيب نظراً لسمعته الطيبة وبطولاته في حرب فلسطين عام 1948. وقد نجح نجيب في تعزيز مكانة التنظيم بعد فوزه التاريخي برئاسة نادي الضباط عام 1951، متحدياً إرادة الملك فاروق آنذاك.
بعد نجاح تحرك الجيش في يوليو 1952، ظهر نجيب كقائد للحركة وحمل البيان الأول اسمه، مما جعله يحظى بشعبية طاغية في الشارع المصري. ومع ذلك، كان التناقض ينمو في الكواليس، إذ امتلك نجيب الشرعية الجماهيرية بينما سيطر عبد الناصر على مفاصل التنظيم والقرار داخل مجلس قيادة الثورة.
تطورت الخلافات سريعاً حول كيفية إدارة الدولة، خاصة بعد استقالة علي ماهر من رئاسة الحكومة في سبتمبر 1952 بسبب قوانين الإصلاح الزراعي. تولى نجيب رئاسة الحكومة والوزارة الحربية، لكنه اصطدم بحقيقة أن القرارات المصيرية كانت تُصاغ داخل أروقة مجلس قيادة الثورة بعيداً عن سلطته المنفردة.
في عام 1953، اتخذت الثورة خطوات لترسيخ سلطتها عبر إلغاء الأحزاب السياسية وإعلان الدستور المؤقت، وتأسيس 'هيئة التحرير' كذراع سياسي بقيادة عبد الناصر. هذه الخطوات عززت من نفوذ ناصر خارج المؤسسة العسكرية، وبدأت تضيق الخناق على طموحات نجيب في ممارسة سلطات رئاسية فعلية.
💬 التعليقات (0)