كاتب صحفي وأكاديمي سوداني.
لم يكن ما يشهده السودان في هذا الشهر الأعجف، يوليو/تموز الجاري، مجرد انخفاض عابر في منسوب النيل، ولا نزوة من نزوات الفصول التي ألفها الناس منذ عرفوا هذا النهر العظيم المعطاء، بل كان إنذارا يقرع الأسماع قبل الأبواب، ويوقظ الضمائر قبل العيون.
فقد انحسر الماء على غير عادته، وكأن النيل نفسه أراد أن يروي لأبنائه قصة جديدة؛ قصة لم تكتبها الطبيعة وحدها، وإنما شاركت فيها إرادة الإنسان حين ظن أن بإمكانه أن يجعل من مجرى الحياة ملكا خاصا، ومن حق الشعوب امتيازا يمنحه أو يمنعه كيف يشاء.
لقد اكتمل التخزين النهائي لسد النهضة الإثيوبي في العام الماضي 2025، ودخل المشروع مرحلة التشغيل الكامل، فلم يعد النقص بسبب التخزين إذن؛ وإنما بدأت تتكشف آثار لم تعد تنتمي إلى عالم التوقعات، وإنما إلى عالم الوقائع.
ووفقا للتقارير الرسمية الصادرة عن وزارة الري السودانية، شهدت الأيام الممتدة بين السابع والعاشر من يوليو/تموز انخفاضا حادا في واردات بحيرة خزان "الروصيرص"، إذ تراجعت من 207 ملايين متر مكعب يوميا إلى 129 مليونا، وانخفضت التصريفات الخارجة من سدَي "الروصيرص" و"سنار" بنحو 100 مليون متر مكعب يوميا.
ولم يكن ذلك مجرد رقم يدون في سجلات الفنيين، بل واقعا انعكس على مناسيب المياه نفسها، فانخفضت بمقدار متر ونصفٍ في "الروصيرص"، ومتر وسبعة أعشار في "ود العيس"، ومتر وستة أعشار في "ود مدني"، وأكثر من متر في الخرطوم، بينما هبطت التدفقات المجمعة إلى نحو 180 مليون متر مكعب يوميا بعد أن كانت تقارب 300 مليون في الأشهر السابقة.
💬 التعليقات (0)