في اللحظات التي تسبق الحسم، يصبح الغموض سياسة بحد ذاته. هذا ما تعكسه الرسائل الإيرانية المتناقضة بشأن المشاركة في جولة المفاوضات المرتقبة في إسلام آباد، في ظل اقتراب انتهاء مهلة وقف إطلاق النار. غير أن هذا التضارب، كما يُقدَّم في الخطاب الإسرائيلي، لا يُقرأ فقط كحالة ارتباك، بل كنافذة لإعادة تفسير سلوك إيران، وربما أيضًا كأداة ضغط بحد ذاته.
في التحليلات الإسرائيلية، يتقدّم المحلل العسكري في صحيفة هآرتس، عاموس هرئيل، الذي يحاول تفكيك هذا المشهد. فهو لا يكتفي بوصف التناقض، بل يربطه ببنية القرار داخل إيران، مشيراً إلى “خلاف آخذ في الاتساع بين الحرس الثوري والقيادة السياسية” حول جدوى استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة. هذه القراءة تعكس ميلاً إسرائيلياً متكرراً إلى تفسير سلوك الخصم من خلال فرضية الانقسام الداخلي، خصوصًا عندما يتسم هذا السلوك بالغموض أو التردد.
لكن السؤال الأهم هنا: هل ما يبدو خلافاً هو بالفعل أزمة قرار، أم أنه جزء من إدارة تفاوضية محسوبة؟
القراءة الإسرائيلية تفترض أن الجناح العسكري في إيران يميل إلى التشدد، مدفوعاً باعتبارات الردع والهيبة، بينما يسعى السياسيون إلى كسب الوقت وتفادي ضربة أمريكية–إسرائيلية محتملة. غير أن هذا التوصيف، رغم وجاهته الظاهرية، قد يكون تبسيطياً. فالنظام الإيراني، بطبيعته، لا يعمل وفق ثنائية حادة بين عسكري ومدني، بل ضمن تداخل معقد لمراكز القوة، حيث يُعاد إنتاج القرار عبر التوازن لا عبر الحسم السريع.
من هنا، يمكن فهم السلوك الإيراني ضمن ثلاث طبقات متداخلة، لا ثلاث فرضيات منفصلة. أولها، الغموض كأداة تفاوض. فعدم الإعلان عن إرسال وفد، أو تأخير ذلك حتى اللحظة الأخيرة، ليس بالضرورة علامة ضعف، بل قد يكون وسيلة لرفع سقف التوقعات والضغط، خصوصاً في مواجهة تهديدات مباشرة من دونالد ترامب، الذي لوّح صراحة بعواقب “لن تكون حميدة” إذا فشلت المحادثات.
ثانيها، إدارة الصورة. إيران تدرك أن الظهور بمظهر الطرف الذي يسارع إلى التفاوض تحت الضغط الأمريكي يضر بموقعها الإقليمي. لذلك، فهي تحاول إبقاء مسافة محسوبة بين الاستعداد للتفاوض وعدم الانخراط العلني فيه، بما يحفظ توازنها الداخلي ورسائلها الخارجية في آن واحد.
💬 التعليقات (0)