تستعرض الباحثة د. فاطمة الصمادي، في دراستها المعنونة "خونخواهی: الثأر لدم المقتول في الخطاب الإيراني"، الصادرة عن مركز الجزيرة للدراسات ، الجذور التاريخية والثقافية والدينية لمفهوم "خونخواهی" (الثأر)، وكيف تحوَّل من موروث ملحمي في الثقافة الإيرانية القديمة إلى أحد المرتكزات الفكرية والسياسية في خطاب الجمهورية الإسلامية.
وترى الدراسة أن مفردات "الدم" و"الثأر" و"الانتقام" والرايات الحمراء التي برزت بقوة عقب اغتيال آية الله علي خامنئي لا تمثل مجرد لغة تهديد سياسي، وإنما تستند إلى منظومة رمزية عميقة تجعل الثأر واجبًا أخلاقيًّا ودينيًّا وتاريخيًّا ينتقل عبر الأجيال حتى يتحقق القصاص.
ترى الدراسة أن مفهوم "خونخواهي" لا يرتبط في الثقافة الإيرانية بالانتقام الفردي، بل يقوم على رؤية أخلاقية تعتبر الثأر وسيلة لاستعادة العدل بعد انتهاكه بقتل شخصية تتمتع بشرعية دينية أو أخلاقية. ولهذا ظل هذا المفهوم حاضرًا في الذاكرة الإيرانية منذ الملاحم القديمة، قبل أن ينتقل إلى الفكر الشيعي ثم إلى الخطاب السياسي للجمهورية الإسلامية.
وتوضح الباحثة أن أقدم تجليات هذا المفهوم تظهر في ملحمة "يادگار زريران"، حيث يتحول دم القائد الإيراني زرير إلى قضية تتجاوز حدود الأسرة، فينهض ابنه بستور للأخذ بثأره، لا بوصفه واجبًا عائليًّا فحسب، وإنما دفاعًا عن الجماعة والنظام الأخلاقي الذي يمثله الأب. ومن هنا يصبح الدم مصدرًا لتكليف تاريخي لا ينتهي بمرور الزمن، بل يظل قائمًا حتى يتحقق القصاص.
وتجد الدراسة البناء نفسه في "الشاهنامة" للفردوسي، حيث تدور أبرز الحروب حول الثأر لدم إيرج وسياوش. وتلفت إلى أن الرواية لا تجعل الثأر حقًّا لكل ملك أو قائد، وإنما تقصره على الشخصيات التي تتمتع بشرعية أخلاقية، مثل إيرج وسياوش، اللذين يقدمان باعتبارهما رمزًا للطهر والعدل والسلام.
ولذلك يصبح قتلهما اعتداءً على النظام الأخلاقي نفسه، ويغدو الانتقام وسيلة لإعادة "داد"؛ أي العدل والنظام، إلى المجتمع.
💬 التعليقات (0)