ليس من السهل تصنيف الكتاب ضمن خانة محددة، فهو ليس قراءة نقدية بالمعنى الأكاديمي، ولا سيرة ذاتية صريحة، ولا حتى رواية تتخفى وراء حكاية، فنحن أمام كتابة تتشكل في منطقة بينية تسمح بتداخل الأصوات وتشابك المستويات، بحيث يصبح النص نفسه تجسيدا للفكرة التي يناقشها حول اللاطمأنينة بوصفها طريقة كتابة.
الحوار المتخيل الذي تخوضه الأديبة سميحة خريس مع الكاتب البرتغالي فرناندو بيسوا، عمل يتجاوز حدود القراءة التقليدية، ليكون تجربة وجودية مزدوجة من خلال قراءة في نصوص بيسوا، وقراءة في الذات والذاكرة والعالم.
يقوم النص على فرضية الحوار، ويتوسع ليصبح تواشجا بين ذات بيسوا القلقة المتعددة والغارقة في اللاطمأنينة، وذات الكاتبة الواقعية المجروحة والباحثة عن توازن ما. وخلال هذا السجال، تقدم خريس شرحا يسيرا لبيسوا، بينما تلجأ لاستخدامه مرآة لبناء تأملها الخاص، وتشكيل كتابة ذاتية مقنعة.
الأسلوب قائم على خطاب مزدوج، ظاهره حوار مع فرناندو بيسوا، وباطنه حوار مع الذات، فالكاتبة تستدرج بيسوا ليكون مرآة أو ذريعة لتقول ما لا يقال مباشرة، لإدراكها أن الحديث عن الذات مكشوف ومحرج، فتستعين بصوت آخر، لتخفف من وطأة الاعتراف، محولة بيسوا نفسه إلى تقنية سردية.
الجملة طويلة عند سميحة، متدفقة بالمعنى، فهي لا تسعى إلى الإيجاز، وإنما تريد الإحاطة وملاحقة الفكرة من أطرافها كلها، خصوصا أنها تبتعد عن مسألة الحسم في المعنى والإحالة، فتبدو الجملة وكأنها تفر من نهاية محتملة وغير مغلقة، لأن الإغلاق نوع من الحسم، والحسم يناقض طبيعة النص.
وتحمل اللغة نفسها توترا واضحا بين مستوى معرفي يحاول أن يفسر ويحلل، ومستوى حسي يفيض بالصور والاستعارات، في سعي إلى تجسيد الفكرة باستعارات تمثل ضرورة تعبيرية لترسيخ الفكرة. في الوقت ذاته، هناك انزياح دائم بين العام والخاص، إذ تنتقل الكاتبة من تجربة شخصية حادة، كفقد الابنة، إلى تأملات في الإيمان أو انهيار الأيديولوجيات، من دون فواصل واضحة، تماما مثلما هي التجربة الإنسانية لا تعرف التقسيم.
💬 التعليقات (0)