بعد أن تتبعنا في المقالات السابقة تطور الخطاب العربي داخل الكنيست منذ قيام "دولة إسرائيل" وحتى صعود حزب الليكود إلى السلطة عام 1977، وكيف تحول الخطاب الانتخابي تدريجيًا إلى المفاضلة بين “اليمين” و”اليسار”، يبرز سؤال لا يقل أهمية عن ذلك كله: هل كان وصول الليكود إلى الحكم هو اللحظة التي غيّرت "إسرائيل"، أم أنه غيّر طريقة قراءتنا للمشهد السياسي الإسرائيلي؟
على امتداد ما يقارب نصف قرن، ترسخ في الخطاب السياسي العربي، محليًا وفلسطينيًا، بل وفي جزء واسع من الخطاب العربي عمومًا، أن المشكلة الأساسية تكمن في صعود “اليمين” الإسرائيلي، بمكوناته القومية والعلمانية والدينية، وأن مواجهة هذا اليمين تقتضي دعم “اليسار”، الذي مثلته تاريخيًا الحركة الصهيونية العُمّالية بقيادة ديفيد بن غوريون، ثم حزب العمل. غير أن التجربة التاريخية تفرض إعادة طرح السؤال من زاوية مختلفة: هل كان الليكود أكثر تشددًا من حزب العمل؟ أم أن السؤال الأهم هو: هل غيّر حزب العمل، حين كان في الحكم، جوهر المشروع الصهيوني أصلًا؟
والمقصود بجوهر المشروع الصهيوني هو المرتكزات التي قامت عليها دولة "إسرائيل" منذ عام 1948، والمتمثلة في إقامة دولة يهودية على أرض فلسطين عبر الاحتلال، وتهجير الشعب الفلسطيني الأصلاني، وارتكاب المجازر وعمليات التطهير العرقي، والاستيلاء على الأرض، وإقامة المستوطنات والمدن الإسرائيلية على أنقاض القرى والبلدات الفلسطينية المدمرة، إلى جانب تثبيت أغلبية يهودية، ومنع عودة اللاجئين الفلسطينيين، والحفاظ على الطابع اليهودي للدولة. وهذه المرتكزات بقيت، في جوهرها، ثابتة في سياسات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، مهما اختلفت الأحزاب في خطابها أو في أساليب إدارتها للصراع.
فالمسألة ليست: من كان أكثر تشددًا في خطابه؟ بل: من الذي أسس الدولة؟ ومن الذي قاد حرب عام 1948 وما رافقها من مجازر وعمليات تطهير عرقي وتهجير بحق الفلسطينيين؟ ومن الذي أقام الحكم العسكري على الفلسطينيين في الداخل؟ ومن الذي ارتُكبت في عهده مجزرة كفر قاسم عام 1956؟ ومن الذي قاد احتلال عام 1967؟ ومن الذي صادر الأراضي الفلسطينية وأطلق مشاريع التهويد؟ ومن الذي سُفكت في عهده دماء الفلسطينيين في يوم الأرض عام 1976؟ وهل تبدل جوهر المشروع الصهيوني بتبدل الحزب الحاكم، أم تبدلت فقط أساليب إدارته وتسويقه؟ وإذا كانت الإجابة عن معظم هذه الأسئلة تقود إلى الحزب الذي يُصنف اليوم ضمن “اليسار الإسرائيلي”، فما الذي جعل “اليمين” وحده يتحول إلى “البعبع” في الخطاب السياسي العربي؟
وقبل الإجابة عن هذا السؤال، لا بد من التذكير بأن مصطلحي “اليمين” و”اليسار” لم ينشآ في السياق الإسرائيلي، بل يعود أصلهما إلى الجمعية الوطنية الفرنسية عقب الثورة الفرنسية عام 1789، حين جلس أنصار الملك إلى يمين رئيس المجلس، بينما جلس دعاة التغيير إلى يساره. ثم تطورت دلالاتهما في الفكر السياسي الغربي، فأصبح اليسار يُقرن غالبًا بالعدالة الاجتماعية، وتوسيع دور الدولة، والدفاع عن الحقوق المدنية، في حين ارتبط اليمين بالمحافظة الاجتماعية، والهوية القومية والدينية، والاقتصاد الحر. غير أن إسقاط هذه التصنيفات على الحالة الإسرائيلية ليس أمرًا مباشرًا، إذ إن الخلاف بين “اليمين” و”اليسار” في "إسرائيل" لا يدور، في جوهره، حول شرعية المشروع الصهيوني أو هوية الدولة اليهودية، وإنما حول أساليب إدارة هذا المشروع وحدود التسوية مع الفلسطينيين.
ولفهم الكيفية التي نشأت بها المفاضلة بين المعسكرين في الخطاب العربي، لا بد من العودة إلى التحولات التي أعقبت حرب حزيران 1967. فقد أسفر احتلال "إسرائيل" للضفة الغربية وقطاع غزة، واحتلال كامل مدينة القدس، بما في ذلك شطرها الشرقي، عن تحول جوهري في طبيعة الصراع كما عُرض سياسيًا ودوليًا، إذ انتقل مركز الاهتمام، بدرجة كبيرة، من معالجة نتائج نكبة عام 1948 إلى التركيز على قضية الأراضي التي احتلتها "إسرائيل" عام 1967. وفي هذا السياق برزت مشاريع التسوية السياسية القائمة على مبدأ “الأرض مقابل السلام”، لتصبح المرجعية الأساسية التي حكمت جانبًا كبيرًا من النقاشات السياسية والإقليمية والدولية في العقود اللاحقة.
💬 التعليقات (0)