في أنفاق مظلمة تحت الأرض، تعيش الفئران الخلدية العارية حياة تبدو أقرب إلى عالم النمل والنحل منها إلى عالم الثدييات. داخل المستعمرة، توجد أنثى واحدة مهيمنة، أو كما نسميها "ملكة"، تتولى إنجاب الصغار. أما بقية الإناث، رغم بلوغهن وقدرتهن النظرية على التكاثر، فتظل ممنوعة من الإنجاب، تعمل وتحفر وتحرس وتشارك في الخدمة.
لسنوات طويلة، عرف العلماء أن وجود الملكة ضروري للحفاظ على هذا النظام؛ فإذا ماتت أو أزيلت من المستعمرة، يبدأ الصراع سريعًا بين الإناث الأعلى رتبة، وقد يتحول إلى عنف قاتل، حتى تصعد أنثى واحدة إلى موقع الملكة. لكن العلماء لم يكونوا مدركين للكيفية التي تمنع بها الملكة بقية الإناث من الإنجاب.
في دراسة جديدة نشرت مؤخرا في دورية "نيتشر" (Nature)، حدد فريق بحثي دولي، مركبا كيميائيا تنتجه الملكات بكميات مرتفعة، يعرف باسم "أيزوبروبيل ميريستات" .
ووجد الباحثون أن هذا المركب يظهر بوضوح في الملكات، خصوصا في الإفرازات الجسدية الصادرة منها، بينما يكاد يغيب عن الذكور والإناث غير المتكاثرة. كما ترتفع مستوياته عند الملكة خلال فترة الإباضة، أي عندما تكون في أعلى جاهزيتها الإنجابية.
لا تبدو هذه الرائحة واضحة للبشر، لكنها ليست صامتة بالنسبة إلى الفئران الخلدية العارية؛ فعندما اختبر الباحثون استجابة الحيوانات للمركب، وجدوا أنه ينشط الخلايا الشمية في الأنف، ثم مناطق في الدماغ مرتبطة بمعالجة الروائح. وعندما عطل الفريق حاسة الشم مؤقتا لدى بعض الحيوانات، اختفت استجابات مهمة، منها تجنب الأفراد الأعلى رتبة لهذه الرائحة.
وحسب المؤلف الرئيسي للدراسة، محمد خلاف، الأستاذ المساعد بقسم علم الحيوان والحشرات في جامعة أسيوط، وباحث ما بعد الدكتوراه في مركز ماكس ديلبروك للطب الجزيئي في ألمانيا، فإن هذا يعني أن المركب ليس مجرد أثر كيميائي عابر في جسم الملكة، بل إشارة تستطيع بقية أفراد المستعمرة التقاطها.
💬 التعليقات (0)