ليست قيمة الثورات الكبرى في لحظة انتصارها فقط، فالسقوط الذي يحدث في يوم تاريخي قد يكون بداية مرحلة أكثر صعوبة من مرحلة المواجهة نفسها. فالاختبار الحقيقي لأي ثورة يبدأ عندما تنتقل من موقع المقاومة إلى موقع المسؤولية، ومن مواجهة الخصم إلى بناء الدولة، ومن الشعارات التي توحد الجماهير في لحظة النضال إلى السياسات التي تحدد حياة الناس في زمن الحكم.
ومن هنا تكتسب تجربة الثورة الساندينية في نيكاراغوا أهميتها، فبعد سبعة وأربعين عامًا على انتصارها في 19 تموز/يوليو 1979، فالسؤال المطروح ليس كيف تمكن شعب صغير من إسقاط نظام مدعوم من قوة كبرى، بل كيف تمكنت الثورة الساندينية من الحفاظ على المباديء وفي ذات الوقت بناء دولة عصرية ،لقد تفوقت ثورة نيكاراغوا على ابداعها في اسقاط النظام ببناء دولة عصرية تحكمها نفس قيم الثورة .
فالثورة الساندينية دخلت التاريخ ليس فقط لانهاى نجحت في الاطاحة بسوموزا بل لانها ترجمت شعاراتها ومبادئها على الارض عبر بناء دولة عصرية تتفوق في ادائها على كل دول الجوار، ولهذا تقدم تجربة نيكاراغوا نموذجًا مهمًا للتأمل في العلاقة بين الثورة والدولة، وبين الدفاع عن السيادة الوطنية وتحقيق العدالة الاجتماعية،حيث ان تجربة نيكاراغوا في هذا المضمار تعد الانجح في العصر الحديث.
ولفهم هذا المسار، لا بد من العودة إلى الجذور التاريخية التي صنعت الوعي الوطني في نيكاراغوا، وإلى العلاقة الطويلة والمعقدة مع الولايات المتحدة، التي شكلت أحد أهم العوامل في تطور الحركة الوطنية الساندينية، فمنذ بداية القرن العشرين أصبحت أمريكا الوسطى مجالًا حيويًا للمصالح الأمريكية بحكم موقعها الجغرافي وأهميتها الاستراتيجية، وفي عام 1912 غزت القوات الأمريكية نيكاراغوا، لتبدأ مرحلة طويلة من الحضور العسكري والتأثير السياسي، ضمن رؤية اعتبرت المنطقة جزءًا من مجالها الحيوي وأمنها الاستراتيجي.
ثم عادت الولايات المتحدة إلى التدخل بعد اندلاع الحرب الدستورية عام 1926، لتواجه مقاومة وطنية قادها أوغستو سيزار ساندينو، الذي أصبح لاحقًا أحد أبرز رموز مقاومة التدخل الخارجي في أمريكا اللاتينية،لم يكن ساندينو يخوض مواجهة عسكرية فقط، بل كان يحمل تصورًا سياسيًا يقوم على أن استقلال الدولة لا يكتمل إذا بقي قرارها الوطني خاضعًا لإرادة قوة خارجية، ولذلك تحولت مقاومته إلى رمز أوسع لدى حركات التحرر، باعتبارها نموذجًا لشعب صغير يواجه اختلالًا كبيرًا في موازين القوة، لكنه يمتلك القدرة على تحويل قضيته الوطنية إلى قضية تتجاوز حدوده.
لقد استطاعت المقاومة الساندينية هزيمة الجيش الامريكي واجبرته على الانسحاب ، ورغم احتفاظ واشنطن بنفوذ ليس بالقليل من خلال ترتيبات سياسية وأمنية، كان أبرزها إنشاء الحرس الوطني الذي أصبح لاحقًا أداة أساسية في صعود عائلة سوموزا.
💬 التعليقات (0)