لا يُقاس الاحتلال بالحواجز العسكرية وحدها، ولا بعدد المنازل التي تُهدم أو الأراضي التي تُصادر فقط. فحين يُمنع الفلسطيني من تسمية مدينته كما يعرفها، أو يُطلب منه أن يتعامل مع تاريخ عائلته كحكاية هامشية، يصبح الصراع على المعنى نفسه. الهوية الفلسطينية تحت الاحتلال ليست شعاراً ثقافياً يرفع في المناسبات، بل فعل بقاء يومي في وجه مشروع يسعى إلى اقتلاع الشعب من أرضه ومن روايته ومن صورته عن ذاته.
من غزة المحاصرة إلى مخيمات الشتات، ومن أزقة القدس القديمة إلى قرى الضفة الغربية المهددة بالاستيطان، تتشكل الهوية الفلسطينية من تجربة جماعية لا تنفصل فيها الذاكرة عن السياسة. إنها هوية شعب يعرف أن الدفاع عن الاسم، والبيت، واللهجة، والثوب، والمفتاح، وشجرة الزيتون، هو دفاع عن حقه الأصيل في الحرية وتقرير المصير.
يحاول الخطاب الاستعماري اختزال الهوية في مظاهر تراثية يمكن عرضها ثم فصلها عن أصحابها. يُحتفى أحياناً بالتطريز والطعام والموسيقى بوصفها عناصر ثقافية مجردة، بينما يُتجاهل السياق الذي أنتجها: أرض سُلبت، وقرى هُجّر أهلها، ومدن فُرض عليها التقسيم والعزل، وشعب ما زال يعيش آثار النكبة المستمرة.
لهذا لا يمكن التعامل مع الكوفية أو الدبكة أو المطبخ الفلسطيني بوصفها زينة ثقافية. الكوفية ارتبطت بتاريخ المقاومة الشعبية، والتطريز يحمل خرائط جغرافية واجتماعية لمدن وقرى فلسطينية، والأطعمة المحلية تعكس علاقة الناس بمواسم الزراعة وأرضهم. حين تُنسب هذه الرموز إلى رواية استعمارية تنكر أصحابها، تكون مواجهة السطو الثقافي جزءاً من مواجهة السطو على الأرض.
لكن اختزال الهوية في التراث وحده يحمل خطراً آخر. فالهوية ليست متحفاً ثابتاً ولا حنيناً إلى ماضٍ مغلق. إنها قدرة الفلسطينيين على تجديد أدوات التعبير من دون التخلي عن جوهر القضية. تظهر في الأغنية الشعبية كما تظهر في الفيلم الوثائقي، وفي حكايات الجدات كما تظهر في المحتوى الرقمي الذي يوثق أسماء الشهداء والأحياء المدمرة والقرى المهجرة.
تستهدف سياسات الاحتلال الجغرافيا واللغة معاً. تغيير أسماء الأماكن، وتكريس الأسماء العبرية في الخرائط واللافتات، وعزل التجمعات الفلسطينية، ليست إجراءات إدارية محايدة. إنها محاولة لإنتاج واقع يبدو فيه الفلسطيني غريباً عن مدينته، وتبدو فيه الأرض بلا تاريخ سابق للاحتلال.
💬 التعليقات (0)